أبي.. المتسعُ كالأزل….


وقفتُ على دهاليز “الإدارة والأعمال” منذُ وقتٍ لم أكن لأعيه؛
وقتٌ كنت أستيقظ فيه للمدرسة لأجد أبي مستيقظاً، تأرجحاً بين أن يكون قادماً من عمله للتو ليستعد للنوم، أو ذاهباً إليه منذ بكور الصباح.
أشعر أني حين أتحدث عن أبي، تتمدد أمامي خيوطٌ كثيرة، فلا تكفيه بداية واحدة.. إن أبي متسعٌ جداً.. وجداً.. أجده في امتداد الحياة كلها، واقفاً في استهلال كل الحكايات.
لكن، لنقُل مجازاً: تبدأ الحكاية في عالم الأعمال ببالغ الرقَّة والعمق.. من أبي.
بينما كان معنا مفرطاً في رقته، متسماً بالرهافة والبساطة كغيمة حانية تفيض حنواً، كان في العمل يدير أشرعته بصرامة النواميس الكونية، فلا يستثني أحداً، حتى أبناءه.. أو ربما مع أبنائه بطريقة أشدّ!
كان صارماً لحدّ الذهول، فلا يثنيه عن دقة أحكامه شيء، حتى وازع الأبوة أحياناً.
الآن.. أدركُ كم كان يُعدّنا لحياة لا تعرف الرحمة.
والآن، وأنا أستوعب هذه الفكرة منه، لا أزالُ أنطلقُ في رحلتي العملية باحثةً عن أثره الفكريّ وعاطفته المخبأة في هوامش ذاكرتي؛ تماماً “كما تلك الإهداءات والتنبيهات التي كان يكتبها في هوامش كتبي قبيل أن أقرأها”.
وربما كانت “الإدارة والاقتصاد” بالذات، هي البوابة التي ستُعيد تشكيل المشهد، وتصالحنا مع الوجود والوعي من نافذة الذاكرة.
في رحلتنا الطويلة، لم يكن يتوانى رغم صغر سننا عن تسليم كلٍّ منا دفتراً وأقلاماً، ليدفعنا دفعاً نحو رسم تصاميم المجوهرات. كنتُ أفشل في كل مرة أن أبتكر شيئاً، أو بالأحرى، كلما ابتكرتُ تصميماً كان يعيده إليّ مع سيلٍ من الانتقادات واصفاً إياه باللامنطقي!!
وفي كل مرة كان صراخنا يعلو حتى أقول بملء فمي: “لا يمكن أن أصبح رسامة في يومٍ من الأيام! كيف تريدني أن أرسم وأنا لا أملك الموهبة؟ أنا كاتبة.. اطلب مني الكتابة!”.
لكنه كان يجيب بكل برود: “لم أطلب منكِ الرسم.. إنني أطلبُ فكرة.. والفكرة هي مبتدأ كل شيء”.
ما هو أصل الفكرة إذن؟
إنها كلمة أبي.. من هنا تعلمتُ أنه يتعين عليك أولاً أن تتعلم “كيف تفكر”. وهذا لا يتنافى أبداً مع طبيعة عملك أو ما تحب؛ مادمت إنساناً، فواجبك أن تعرف كيف تفكر، وكيف تبتكر.
بعد أن أعادنا عشرات، بل آلاف المرات، حتى بدأتُ أشك في نفسي وأظن أنني لا أملك تلك الشريحة في مخي —أياً كان اسمها— المسؤولة عن التفكير، انتقل بنا إلى المستوى الآخر؛
أخذ ينثر علينا مشكلات الدنيا في عمله ويطلب منَّا حلولاً، وأخذ يشرح لنا كل تفصيلة يقوم بها، وكيف يمكننا استيعابها.
كان يعمل حينها على بناء استراتيجية للشركة، وكانت تلك أول مرة أسمع فيها عن شيء يُدعى “استراتيجية”.
ومنذ ذلك الحين، بدأتُ أنغمس في كمّ المصطلحات والعلوم الإدارية، إلى أن وصلتُ إلى الجامعة، وتخصصتُ فعلياً في “الاقتصاد والعلوم الإدارية”.
حينها، كان يأخذ كتبي الجامعية ليدرسها معي، ويتناقش فيها.. كان يلتهمها بشغف، ويحتفظ بها، حتى إنني لطالما تمنيتُ لو أنه هو من يخوض الامتحانات نيابة عني في كل مادة.
وقتها فقط،
ودون أن ينطق بكلمة، تعلمتُ منه أعظم درس:
أنك لا تكتفي من العلم قط، ابحث في كل شيء.. كلما تعلمت أكثر، ارتقيت أكثر.
ربما لم يكن يقصد مما فعله تلقيننا درساً، وربما قال في نفسه: “الآن ذهب كلٌّ منهم إلى تخصصه، وجاء وقت لحاقي بهم!”. لكن تعاليمه لا تزال ممتدة كالأزل في أبعادها.
تعلمنا برقَّة بالغة أن كلماته هي المادة الوحيدة التي لا تبلى، وأن ما كان يسعى لغرسه فينا أصبح اليوم سلاحاً نتسلح به في وجه التشابه والنمطية في هذا العالم.
إنَّه حيّ ونابض في تفاصيلي.. ولا أزال أدين له بكل شيء.
أضف تعليق