تَرِكَـة الحيَـاة.

أحَاول أن أَخلقَ لي صوتاً.. صوت من الكتابة!

شيفرة الشبيه 2

بواسطة

بوصة

كان أول ما دعاني للبحث أصلاً عن هذا الموضوع “الأشباه” هو تساؤل أوليّ كان يحمل شيئاً بسيطاً وضحلاً لم أتوقع أن يخرج منه خذا الكمّ من العُمق المسرف..

ما هو شعور أي مشهور عندما يجد شبيهاً له؟ وهل يملكون شيئاً من الحقوق حيال ذلك؟

اكتشفت أنني بهذا التساؤل قد فتحتُ بوابة مرعبة من التحليل دخلت عبرها لأكثر من يومين لأستكشف ما هو هذا الشعور الذي يختبئ داخل المشهور عندما يرى شبيهاً له!

نعم، وللعجب وجدت أن هناك من ناقشها قبلاً، وأفرد لها نظريات، وكتبت ونوقشت كثيراً فهي أعمق مما نتخيل..

.

يأخذ الموضوع أبعاداً متعددة، فماذا يحدث داخل هذا الرجل الذي تتصدر صوره كل الوسائل فيجد شبيهاً آخر له في مكانٍ آخر…!

أول ما يصيبه هو “أزمة الهويَّة الفردية”:

فعند “نيتشه” لمَّا ناقش هذا الأمر أرجئه لفكرة “العود الأبدي”..

فحين يرى المشهور شبيهه، ففلسفة “العود الأبدي” تعني أن الكون في تكرار مستمر -يكرر نفسه وتفاصيل حياته بكل دقَّة – في حلقة لا نهائية، وهذا ما يُشعره بأنَّه مجرد نسخة مكررة وليس فريداً…!

وهذا التصادم هو ما يضربُ “الهويَّة الفرديَّة” في مقتل؛ فرؤية نجم يشعر بالتميّز المطلق، لإنسان يشبهه تماماً يُكسر هذا الشعور بالتميّز ويتحوَّل إلى إنسان مرعوب يُعاني من أزمة وجوديَّة في خسارته لفرادته، وهي ما قال عنه سيغموند فرويد في تفسيره للخوف من الشيء المألوف والمخيف معاً؛ (الغرابة الرمزية | The Uncanny)..

تخيَّل معادلة بسيطة جداً:

(شيء مألوف جداً «وجهك/ ملامحك» + شيء غريب جداً «شبيهك» = رعب وجودي!!)

وجهك هو أكثر شيء خاص بك، وأكثر شيء مألوف بالنسبة لك في هذا الكون. لكن؛ عندما تراه فجأة متجسداً في جسد آخر يمشي ويتكلم أمامك..

يحدث خلل فوري في دماغك فيتحول وجهك من مصدر الأمان إلى مصدر “غرابة وتهديد”!!

يذهب فرويد لأكثر من ذلك في تحليله النفسي، حيث يرى أن العقل الباطن للإنسان يخلق في طفولته فكرة “الروح” وَ “الظل” وهي من منطلق (أشباه للجسد) كآلية دفاعية لضمان الخلود والنرجسية.

لكن عندما يكبر الإنسان ويتطور وعيه، ينعكس هذا المفهوم تماماً؛ فيصبح “الأشباه” في نظر العقل الباطن ما هي إلّا “نذير للموت” أو الرسول ظهر ليخبرك أنه حان وقت استبدالك…!!

لأنَّ أكثر ما يصير الرعب عند رؤية “الشبيه” هو “فقدان السيطرة”.. فما كان يتحكم فيه ويتميّز فيه لوحدة “ملامحه – حركاته – صوته – عيوبه المكبوتة” هو ما يجعل “الشبيه” بالنسبة له كَـ “مرآة” تتمشى على قدمين وتفضح أعماقه!

وهنا ينكشف الوجه الأكثر رعباً في هذه الظاهرة، حيث لا ينبع خوفه من رؤية وحش أو كائن فضائي، بل من رؤية “وجهك أنت” – الشيء الأكثر مألوفية في حياتك – وقد تحوَّل فجأة إلى كائن منفصل عنك، وغريب..

في وسط هذا الرعب الوجودي الذي ينبع من العقل الباطن بأنَّ هذا الشبيه لم يأتِ ليتعرف عليك، بل جاء ليستبدلك، ويسرق خصوصية “الأنا”، ويعلن نهاية فرادتك في هذا الكون…!!!

فرويد شخصَّها بأنها تثير “قلقاً وجودياً” يُعرف بِـ “اضطراب الهويَّة الانفصالية المصغر” بحيث يشعر أنَّ ملامحه لم تعد ملكاً خاصاً به وحده.

.

هذه نفسها الحالة ما شرحها فيودور دوستويفسكي في روايته “المزدوج”،

حيث بظهور النسخة الأخرى من البطل عاش ذروة الشعور بالغرابة، حيث أصبح أكثر شيء مألوف بالنسبة له (وجهه ونفسه) هو الشيء الأكثر رعباً وتهديداً له.

وجعله يقع تحت وطأة التساؤلات حول الفرادة والوجود:

فعندما يرى “غوليادكين” قرينه يسرق مكانته ووظيفته، يسقط في أزمة وجودية تتمثل في سؤال:

“إذا كان هناك شخص آخر يقوم بدوري تماماً، فما قيمة وجودي أنا؟”

فتخيَّل كأنه أصيب بمتلازمة “سرقة الحياة” ففي التحليل النفسي يخاف الإنسان غريزياً من أن يقوم الشبيه بامتصاص النجومية ويرتعب بأن يأخذ جهده، على سبيل المثال عندما يتجمع الجمهور حول الشبيه لالتقاط الصور، فإن المشهور الحقيقي يشعر بنوع من “السرقة العاطفية”؛ فالناس يمنحون الحب والتقدير لشخص لم يتعب في بناء هذه الشهرة، مما يولد مشاعر غيرة مستهجنة وغريبة! “بأن يغار المشهور من شبيهه”!!

.

أوتو رانك Otto Rank

يُعتبر هو أول عالم نفس يُفرد كتاب كامل في دراسة كاملة وببحث علمي رصين لتفكيك هذه الظاهرة وفككها من خلال جانب “عيادي – بعلم النفس، الأنثروبولوجيا، والأدب العالمي “خاصة في أعمال دوستويفسكي وإدغار آلان بو”

باختصار تفسيره العلمي لظاهرة الشبيه يقوم على فكرتين:

  • رأى أن فكرة “الشبيه” نشأت تاريخياً في الثقافات البدائية كآلية دفاعية نفسية، فالإنسان القديم خلق فكرة “الروح” أو “الظل” لإنكار فكرة الفناء والموت، ويحقق الخلود.
  • ويرى في الفكرة الأخرى أنه مع تطور الوعي للإنسان، تحول هذا الشبيه في العقل الباطن من “ملاك حارس” يضمن الخلود، إلى “وحش” أو “نذير شؤم” يمثل الضمير الحي، أو الجانب المظلم والمكبوت من الشخصية، وقد ظهر ليُعاقب الإنسان ويذكره بنهايته.

في النهاية؛ هناك شيء رهيب خرج به الفيلسوف الفرنسي جان بودريار  وهي فلسفة “المحاكاة والزيف” (Simulacra and Simulation)

فهو يرى شيئاً آخر قادم هو أكثر رعباً من الشبيه البيولوجي الطبيعي” إلى الشبيه “التكنولوجي الرقمي”..!

فتخيَّل أن بودريار يرى أن العالم الحدث، عبر الشاشات والذكاء الاصطناعي والتتزيف العميق، لم يعد يصنع أشباهاً من البشر الحقيقيين، بل هو يخلق “أشباهاً لا أصل لها” تسمى الـ Simulacra.

فتخيَّل بتقنية الـ Hologram التي يصنعها الذكاء الاصطناعي لفنانٍ ما راحل، أو لشخصية ما مرسومة “أنيمي”، فإن الجمهور يتفاعل مع هذا الشيء “الزائف” ويحبه أكثر من فنانه الأصلي.

وهذه النسخة المفتعلة تبتلع الأصل وتمحوه…!

فإن كان نيتشه يرى “التكرار الأبدي” للكون، وفرويد يراه “رعباً نفسياً”، فإن بودريار يراه “موت الحقيقي” وبأن الرقمي والمستنسخ تثير الرعب أكثر، لأنها تثبت أن الملامح الفريدة تحولت إلى مجرد” شيفرة برمجية” يمكن إعادة إنتاجها وتداولها استهلاكياً كأي سلع، وبدون الحاجة لروح بشريَّه من الأساس…!!!


أضف تعليق