هل البشرية مجرد “ألبوم صور مُعاد”..؟!

“أنا لستُ شبيهاً!”| ! I’m not a look-alike
تخيَّل أنك تسير في الشارع، فيوقفك الغرباء هاتفين: “أهلاً مستر بين!!”
هذا ما كان يحدث يومياً مع المصور الكندي فرنسوا برونيل (François Brunelle)
تشابهه الغريب مع الممثل البريطاني “روان أتكينسون” لم يكن يمرّ مجرد موقف مضحك، بل كان الشرارة الوجودية التي أشعلت بعقل برونيل سؤال واحد ظل عقدين من الزمن يثبت إجابته:
“هل يمتلك كل منَّا نسخة مطابقة له في مكان ما حول العالم؟”
من هذا التساؤل البسيط عام 1999م، انطلق مشروعه الفني الذي يحمل اسم:
مشروع “أنا لستُ شبيهاً!”| ! I’m not a look-alike
ولم يكن برونيل يعلم حينها أن هذه الفكرة الفوتوغرافية ستتحول لاحقاً إلى أحد أهم المراجع العلمية التي فككت أعقد شيفرات علم الجينات البشري، وتفكيك شيفرة الوجه البصري!!
أمضى برونيل 25 عام، -أكثر من عقدين- من الزمن، وسافر بين أكثر من 32 مدينة حول العالم، يبحث عن الغرباء تماماً الذين يبدون كتوائم متطابقة ويتيح لهم الإلتقاء والتصوير معاً.
وثَّق خلال هذه الرحلة أكثر من 250 ثنائياً متشابهاً!
تعمَّد برونيل التقاط جميع الصور بالأبيض والأسود، وجعل الأشباه يرتدون ملابس متشابهة وبسيطة. هدفه فيها إلغاء عناصر التشتت “اللون – الشعر – الملابس..”. وركز فيها تركيزاً نقياً على العظام، وتقاطيع الوجه، والابتسامة، والهندسة التشريحية للملامح.
معلومة جانبيَّــــة:
هل تعلم كيف عثر على هؤلاء الأشباه من عام 1999؟ فلم تكن هناك برامج التعرف على الوجوه أو منصات تواصل اجتماعي!
كان الأمر يتطلب جهداً أسطورياً؛ إذ اعتمد على المقابلات التلفزيونية والصحف المحلية في كل مدينة يزورها، مناشداً الناس: “إذا كنتم تعرفون شخصين غريبين يتشابهان.. فأخبروني!”.
ثم لاحقاً، أنشأ موقعاً إلكتروني حمل قاعدة بيانات عالمية فيها آلاف الإيميلات من أشخاص عثروا على أشباههم في مقرات عملهم، أو جيرانهم، أو عبر الإنترنت.
في عام 2014 أتى عالم الجينات الإسباني د. مانيل إستلير (Manel Esteller)
وشاهد تقرير في صحيفة نيويورك تايمز يستعرض فيها صور برونيل التي التقطها. فذُهل الطبيب من دقَّة التشابه، فهو رأى كنزاً بيولوجياً غير مسبوق! فتواصل فوراً مع المصور قائلاً:
“إنَّ صورك تعتبر كنزاً علمياً، هل تسمح لنا بإخضاع هؤلاء الأشخاص لفحص الحمض النووي؟”
بموافقة برونيل، انطلق واحد من أغرب المشاريع الجينية في التاريخ. وتحول الفن من محاولة لاستكشاف “الروح والهوية الإنسانية” إلى وثيقة بيولوجية تثبت حقيقة مذهلة:
البشرية مجرد “ألبوم صور” يعيد تكرار تركيباته الجينية مراراً وتكراراً بسبب ضخامة عدد سكان الأرض!
من الفن إلى المختبر..!
وقد قام الفريق العلمي باختيار 32 زوجاً من الأشباه من صوره، وقد تم ادخال صورهم على 3خوارزميات منفصلة للتعرف على الوجوه (نفس التي تستخدمها المخابرات والشرطة).
والنتيجة…!
أن الأنظمة اعتبرت نصف هؤلاء الأشباه (16 زوجاً) توائم حقيقيَّة ولم تستطع التمييز بينهم…!
ثم أخذ العلماء عينات اللُعاب DNA من هؤلاء الأشباه، ظهرت نتيجة أيضاً صادمة وقد نُشرت في مجلة Cell Reports!!
وجد العلماء أن الـ16 الذين خدعوا خوارزميات الوجه، هم في الحقيقة يتشاركون في “تتابعات جينية” متطابقة تقريباً!
فيصبحون كأنهم إخوة أو توائم، رغم عدم وجود أي صلة قرابة أو عرق يجمعهم!!
تخيَّل أن الأمر لم يتوقف عند شكل الوجه؛ بل وجدت الدراسة أن هؤلاء الأشباه الغرباء يتشابهون بشكل غير مفهوم في الطول،
والوزن، والعادات اليومية (مثل نسبة التدخين!) وحتى في المستوى التعليمي!!
وكالعادة البيئة تتفوق على الجينات –باعتقادي–
لأنهم عندما فحص العلماء (الإبيجينوم – Epigenome) = وهو كيفية تأثر الجينات بالبيئة.
وَ (الميكروبيوم) = بكتيريا الجسم.
وجدوا الأختلاف الكبير بينهم. وهذا يعني أن الجينات الصرفة هي التي شكلت ملامحهم المتطابقة، بينما صقلت البيئة والنشأة بقيَّة تفاصيلهم الحيوية..!
ما وراء الصور الصامتة:
كانت “أجنيس” في يومٍ عاديّ، وتستقل قطاراً عادياً في هولندا، جلس بجانبها رجل غريب وبدأ يتحدث معها بكل حميمية وتفاصيل مفرطة كأنه يعلم عنها كل أسرار حياتها.
وعندما شعرت بالذهول والارتباك منه، اكتشفت لاحقاً أنَّ الرجل خلط بينها وبين امرأة أخرى تُدعى “إستر”!
فبحثت “أجنيس” عنها في الفيسبوك وتواصلت معها ودعتها للإشتراك في مشروع “برونيل”، وحين التقتا لم يذهلهما تطابق الوجه فحسب، بل اكتشفا أنهما تتشاركان نفس الطباع النفسية، ونفس ذوق الملابس، ونفس الشغف الموسيقي.
تحولتا فيما بعد إلى “أعز صديقات”.. لأنهما شعرا بأنهما تؤام فُصل عند الولادة.
هناك الكثير من القصص الإنسانية خلف صور “برونيل” فلم يكن فيها الشبه مجرد “قشرة خارجية”، بل كان يحمل أشياء أعمق، يحمل داخله شيئاً كالمغناطيس تجعل الأشباه تتقاطع حياتهم، وعاداتهم وحتى اصدقائهم المشتركين.
المصادر:
I’M NOT A LOOK-ALIKE! – FRANÇOIS BRUNELLE
Doppelgangers Don’t Just Look Alike, They Act Alike and Share DNA
Lookalikes Portrait Project Leads to Discovery on Doppelgänger DNA
أضف تعليق