

أتحدث عن اللحظات الأخيرة من الجلسة..
اللحظة التي قرر فيها جليسي أن يَبُتَّ في خذلان المحاولة التي استعصت عليه..
منذ أعتاب طفولتها الأولى..
كانت أصابعه، مذ كنتُ صغيراً، تغزل الخيوط حول معصميّ، ذراعيّ، ساقيّ، وحتى شغاف قلبي، إلى أن تجمعت الخيوط كلها بين قبضته..
فظنّ أنه بإحكام العُقدة قد روَّض الطفل، وتحكّم في السلوك، ولم يعتقد أنه بعد كل ذلك سيعلن استسلامه أمام الطين..
إن عناد الآدميّ بلحظة الانكسار، لهو الحبل السريّ لإنسانيته!
وبينما صوت تكتكة الساعة الجداريَّة يتباطأ، يمتزج معه هسيس الضباب الشاحب الذي بدأ يبتلع الزوايا..
صرختُ من وراء النسيج الواهن الذي نسجه حولي:
– هل تظن أنك بقتلي تنتصر؟ أنا سأبقى شيئاً في داخلك لا يمكن أن يدركه سواك!
لا تقل لي أنك تريد أن تستأثر بهذه القدسيَّة، وتعلن وقتها حق انتصارك؟!
قتلك لي ليسَ إلَّا محاولة منك لتُحكم السيطرة على حياتك، أوليسَ غضبك من حديثي الآن معك هو لمحاولاتك الفاشلة للسيطرة على حياتي، لتحكم قبضتك على الحالة.. وتوقد فوق رمادي شعلة مجدك وتعلن انتصارك!
يا دكتور..
كلانا وجهان لعملة واحدة.. لكن لم يسبق لك أن واجهت ذلك..
كم أشفق عليك..
لأنَّ ما إن تقدم عليه حتى تتوالى عليك الأموات وتدبّ في جسدك أشباح الطين. وستحب بعدها هذا المذاق جداً!!
نعم، ستحكم بعدها السيطرة يا دكتور.. ستتحكم جداً، لكنك لن تعود “أنت” بعدها!
– “ألا تخاف وأنتَ تحُضُّني على ذلك؟.. ألا ترتعد وأنت تدفعني نحو تلاشيك؟!”
– أنا لا أحضّك، أنا أواسيك.. منذُ أتيتُ لهذا العالم وأدركت ما حولي.. وأنت اتصالي بهذا العالم، كنت نافذتي وجسري الواهن لملامسة هذا العالم!
كم سنة يا دكتور مضت؟ أشعر أنَّ انتظارنا أخذ ملايين السنين والدهور..
لقد شهدتَ على كل أفكاري،
لقد كنت شاهداً على كل تلك التغيرات التي عصفت في حياتي..
لا أعتقد أني أُحرجت منك قط في أفكاري.. ولم أخجل منك قط في أعمق دهاليز مساحات عقلي.. أنت شاهدٌ على أسوئها وأكثرها غضباً ودموية!
حتى تلك التساؤلات الغضَّة التي وصفتها يوماً بـ “العاطفية”.. كنت الشاهد عليها!
لا أعرف من العالم خيطاً سواك..
أنتَ الحبل السريّ للواقع.. وليس أحدٌ سواك..
أنت من لقنتني أبجديَّة هذه “الشاعرية”..
ولطالما تساءلتُ: هل حقاً هي “شاعرية” و”رقَّة” حقيقيَّة؟
أم أنا صدقتها لأنها لم تطرق عقلي يوماً ولم أكن لأدرك ما لهذه الكلمة من معنى،
ولأنك المتغير الثابت الوحيد هُنــــا!!
وأنت الوحيد الذي يقوله، ولا أملك إلَّا أن أصدقه!
لكن يا اتصالي بهذا العالم، هل حكمك بالنفي حكمٌ صحيح وقسمةٌ عادلة؟
إذاً أهلاً به..!! أهلاً بالعدم!
لكن لتدرك أنني أحيَا في داخلك، ولن يدركني سواك، مهما حاولتَ أن تساويني بالتراب، وتنفض عني يديك..
وبينما أنا أهوى في منفى.. أنت تعيش مُعلقاً بخيط رفيع بيني وبين هذا العالم..
برأيي أنها عدالة، عدالة إلهيــــة كاملة!
.
الظلال على الحائط تتمَدَّد وتتثاءب كأعشاب بحريَّة طفيلية، والمقعد الجلدي من تحتي يزداد برودة قاسية تتناقض وسخونة الأنفاس المحبوسة هنا:
– يعجبني هذا الوضع..
أنت ستدخل أعمق أعماق المحيط.. وعلى شفا أن تغرق في لُجَّته.. بينما تعيدني إلى عُتمة الرحم..
(يفتح يديه ويبرز صدره في مواجهة الفراغ).
– هل سأكون تُحفتك الأخيرة في مصنع هذه السلالات؟!
إذاً.. أُشْعُر قبل أن تُقدم على شيء..
أغرق رأسكَ في حوضٍ من الماء،
ستنتابك ظلمة المحيط..
ألا تعلم ماذا يوجد في قعر المحيط؟
الصمت..
والظلام..
فقط..
تأمل الموت السريريّ قبل أن يقع،
واشعر حينها بالهدوء…!!!
.
دكتور..
أكلانا يحتاج أن نتضرع؟!
أهزمتنا جِبلَّة الطين؟
أفي المنفَى نتحدّ!
.
.
تراني قاسياً!
هل رأيتها أخيراً غريزة الشر المتأصلة؟
كانت كل معطيات الفطرة لديك.. أنت من لوثتها..
أنت من أفسدتني..!
كنت تحاول قتل شيء فيّ منذُ كنتُ لا أعي شيئاً..
جاهدتك دراساتك اللعينة، لتثبت أن هُناك عقولاً إمَّا خارقة الذكاء، أو خارقة الظلمة..
ومحكومة منذُ البدء بشفرة وراثية لا ترحم!
كنت مهووساً أن ترى شيئاً عن العباقرة! القتلة!
دراستك التي بدت لي مدى الدهر!
ألا زلتُ تحت الدراسة!
ماذا حصل لك.. أستسلمت؟
أم حصلت على الجائزة الكُبرى!
وأشبعت شهوة الخلق في مختبرك؟
ماذا لو لم تكن النتيجة حتمية؟
أو… لا لا.. ماذا لو لم أكن أنا القاتل المفترض أصلاً!
ألستَ من افترض عليّ عقلي وبتَّ تمشي عليها؟ وعلى خطى ذلك بدأت دراساتك العبقرية!
ماذا لو لم أكن في الحقيقة سوى مرآتك؟!
ماذا لو أنت من جعلني هكذا، وحقنت في عروقي كل السموم لتؤكدها فقط؟!
ماذا لو كان هذا مسرحَ جريمة أنت من صنع بيئته بيديك؟
أولم تخبرك دراساتك بعد؟
.
.
والضباب قد ابتلع ملامح وجهك تماماً، ولم أعد أرى منك سوى وميضٍ من النظارة الزجاجية، وانعكاس وجهي عليها..
– أما وإنك وصلت للنهاية..
وقد خرجت الآن دون نتيجة ترضيك.. فستلقي هذه الدراسة في القمامة، وتحرق معها العيّنة!
وتدفن معها كل الأشياء التي تذكرك بخيبتك..
أم عليك أن تشهد نهايتها حتى لا يتسنى لأحد أن يعرف أنك فشلت فيها.. أيها الطبيب المرموق!!
من خلف ابتسامات كل السخرية على وجه الأرض.. أعلنها يا دكتور..
هل فشلت في ترويض الطين، فقررت إجهاضه؟!
أوليس قتل العيّنة هو قتلٌ متعمد للوقت الذي خسرته في سنواتنا؟
(يضحك ساخراً، فيما يتردد صدى الضحكة مكتوماً كأنه منبعث من بئر عميق):
– وتريد أن تنجو..؟ تريد ملفاً أبيضَ!؟؟
إذاً اضرب بعصاكَ الحجر!!
.
.
أنت من حددت سلفاً من أناَ..
وجعلت مني أشبه بالآلة تمشي وهي تعرفُ مصيرها،
وتُبصر مقصلتها..
لكنها لا تستطيع أن تضغط على زر التشغيل أو الإغلاق!
ماذا لو أنك لم تبدأ هذا..
أكنت وقتها رأيتُ البيوت بشكل مختلف؟ بدلاً من أعشاش دبابير!
آه من هذا الحائط الذي يلف حولي، كان سيكون سوراً مختلفاً، بتركيبة مختلفة تتدلى من ورائه العناقيد والحياة؟
لا شيء.. سوى اللا شيء!
اللا شيء الوحيد المسموح له بأن يحدث هنا بالمصادفة أو بصورة عشوائية.
بدأت فكرتك بأنَّ:
“لكل شيء قطبين..
بديهياً أن يكون قطبٌ نشط وإيجابي وخلَّاق،
وقطبٌ خامد وسلبي وتدميري!”
عذراً أيها البروفسور..
يؤسفني الآن أن أعلنها لك..
لقد اجتمع القطبان، لكنهما اشتركا بذات الصفات!
.
يا من قررت أن تُخرجني من الجنَّة، وألقيتني بعيداً ثُم لم تقرر بعد أن تُلقيني حتى في النار!
دعوت كثيراً بالمطر.. حتى خسرت حين لم تعرف كيف تتعامل مع الطين!
لم يخطر ببالك، أن الطين هذا أنت من دعوت به بالسبب الأول!
هل كنتَ تعتقد أننا هابيل وقابيل؟!
لا..
لا يا دكتور..
كنت أنا وأنت.. قابيل والغُراب!!
لم يكن أحدٌ منَّا بريئاً.. ولم تكن يوماً القطب الآخر!
كنت منذ اليوم الأول تقف على ذات القطب!
أضف تعليق