بين فطرة “حي بن يقظان” ولعنة “دوريان غراي”.

سيرة مسخ يُدعى “الإيجو – EGO”
نُولد جميعاً كـ (حيّ بن يقظان)*1
صفحةً من وعيٍ خالص، وجسداً بلا خطيئة التصنيفات، وروحاً لا تعرف اسمَها، ولا عِرقَها، ولا دينَها. نولد ونحن متصلون بـ “الآن”، لا نملك شيئاً ولذلك نملك كل شيء.
هو المثال الأسمى للإنسان الذي يعيش بِـ “ذاتهِ الحقيقيَّة”؛ لأنه نبت في مكانٍ بلا مجتمع، فلم يلوث أحدٌ عقله بالتصنيفات، أو الألقاب، أو التعصب.
“حي” ليس لديه مجتمع يصنفه، ولا يضعه في خانة معينة.. فتأمل، وتأمل إلى أن أوصله ذوقه إلى الخالق.. (ربما نفرد له مقال منفصل)
هو شعر بنوع من التمييز عن الحيوانات بفعل العقل أو المهارات.. لكن هل تماهى مع الملكيات؟
هو يعيش في ملكية مشاعة، فلم يقل هذه الجزيرة لي، أو هذه الأرض لي، هذه السكين لي.. إنما عاش المشاعية بتلقائية تجعلنا ندرك أن الإنسان يولد بفطرة كهذه..
نولد جميعًا كَـ “حيّ بن يقظان” صفحةٌ من وعي خالص، جسداً بلا خطيئة النعوت، روحاً لا تعرف لها تصنيفاً أو اسماً، ولا تدرك لها عرقاً، ولا ديناً..
نولد ونحنُ لا نملك شيئاً.. لذلك نملك كل شيء..
لكن هذا النقاء البلوري لا يدوم؛ فالمجتمع والأسرة والسياق الثقافي يقفون على أهبة الاستعداد في قاعة الاستقبال، حاملين بأيديهم السلاسل والأقنعة.
يبدأ العالم في بناء أسواره حولك، حين ينسج لك معطفاً يسمونه “الهوية”، وهو في الحقيقة ليس سوى ذاتٍ متوهمة وأناً زائلة.. ليس سوى (الإيجو)؛ ذلك الورم الخفي الذي يتغذى على الطين في كل مرة..
فتبدأ المعركة عندما يصرخ الطفل لأول مرة: “هذه لعبتي!”
في تلك اللحظة تحديداً.. تتوقد شرارةٌ تحاول أن تحرق الوعي الصافي
فتبدأ رحلة التمسخ الإنساني التي تنتهي بنا جميعاً كمساخ في لوحة (دوريان غراي)*2
حيث ننتهي بأن نبيع أرواحنا وجوهرنا الحقيقي في مقابل تضخيم صورتنا المزيفة أمام مرايا هذا العالم.
الطفولة وصناعة جسد الألم
يولد طفلنا نقياً وبلا “هويَّة”.
شيئاً فشيئاً، يمشي فوق تراب الأرض بلا وعيٍ بجوهره.
يُمنح “اسماً”، ثم يُلقَّن “ديناً” بالوراثة ليحدّد به حدوده الروحية قبل أن يختبرها.
وفجأة.. يبدأ وعيهُ بحدود جسده المادي، وهنا تستيقظ الغريزة الأقوى للإيجو (الأنا المتضخمة/المتوهمة): “التملك”.
تلك اللعبة الصغيرة التي يحتضنها ويبكي إن سُلبت منه..
لم تعد مجرد بلاستيك؛ لقد تماهى معها الإيجو، وامتصها لتصبح جدار الحماية الأول في هويته المتوهمة.
إنه يتعلم باكراً أن كينونته لا تنبع من كونه “موجوداً”، بل من كونه “مالكاً”، فيتحول التملك إلى مسألة حياةٍ أو موتٍ لديه.
يكبر الطفل قليلاً، فيدخل السجن الأكبر: المدرسة والمجتمع.
هنا يرتدي رداء (المقارنات) الخشن، ويبدأ عقله برصد أجساد الآخرين، ملابسهم، ودرجاتهم الدراسية.
يتغذى الإيجو على هذه المقارنات، يقتات عليها ليتضخم؛ فإذا وجد نفسه أعلى من أقرانه، انتشى بفخرٍ كاذب، وإذا وجد نفسه أدنى، سقط في بئر الشعور بالنقص.
هنا يبدأ هذا الفتى في تشييد ما يسميه إيكهارت تول “جسد الألم”؛
إنه يعشق الدراما خفيةً، ويدمن مشاعر الاستياء والشكوى من المعلمين، من الأصدقاء، ومن حظه.
كل شكوى يطلقها هي جرعة فيتامين سيكولوجية تجعله يشعر بأنه “على حق” والكون على خطأ.
يتبرمج عقله الباطن، بفعل الأسرة والثقافة المحلية وحتى العوامل الوراثية، على أن الأمان يكمن في بناء حصنٍ من المظاهر، فيبدأ بارتداء “الأدوار المزيفة”؛ يمثل دور التلميذ المثالي، أو الضحية المظلومة، مستهلكاً طاقة الحاضر النقي في تمثيلياتٍ ذهنية لا تنتهي!
وهم الاستحقاق..
مع المراهقة وبداية الشباب.. يتسع الشرخ الروحي.
يعي الشاب جنسه ويبدأ عندها بـ التفرقة الجنسية: “أنا رجل، وهذه مجرد فتاة!”.
يتشرب من ثقافته المحلية توزيع الأدوار والأنماط الجاهزة، ويشرب فائض الاستحقاق والأفضلية الوهمية لكونه ذكراً.
يتضخم الإيجو لديه ليقنعه بأن الكون يدور حول رغباته.
ثم يخطو نحو الجامعة والعمل،
لتصبح هويته شبكة معقدة من الأسلاك الشائكة؛ تضاف إليه انتماءات سياسية، وطبقية، واجتماعية، وعرقية، ودينية.
تبدأ عنده (التمايزات) العنيفة؛
يصنف البشر وفق عقيدته، أو حزبه، أو ناديه الرياضي!
يتحول من كائنٍ إنساني وعيه رحبٌ وشاسع، إلى كائنٍ متعصب يقف دائماً في حالة دفاع،
مستعداً لمعاداة الآخر واغتيال شخصيته خفيةً بالنميمة والتقليل من شأنه لكي يشعر بالفوقية الروحية أو الفكرية.

صنم الأفضلية ولعنة دوريان غراي..
يصل الرجل إلى قمة مسيرته المادية؛
يحقق الإنجازات،
ويجمع الثروة،
ويتقلّد المناصب.
هنا يصبح صنم الإيجو مكتملاً ومتضخماً حتى الانفجار،
ويُصاب بوهم “أنا أعرف”، فيصبح يكره الانتقاد باستماتة، ويعتبر أي رأيٍ مخالفٍ بمثابة هجومٍ انتحاريٍّ على وجوده، فينتصر لنفسه بالصراخ أو الإقصاء.
يبالغ في تضخيم رأيه وإيمانه، ويتحول إلى كائنٍ متطلب، جائعٍ لا يشبع، يطلب المزيد من المدح، والمزيد من الحيازة، والمزيد من السيطرة، عاجزاً عن التعاطف مع أي إنسانٍ يقف في طريقه.
هذا الرجل هو دوريان غراي في أبهى تجلياته..
لقد تماهى تماماً مع الأشكال والكينونات الزائلة (منصبه، ماله، شهرته، رأيه)، ونسي أن كل شيءٍ في الكون زائل.
إنه يظهر أمام المجتمع بوجه القديس العبقري والناجح، بينما يخفي خلف ستار عقله لوحة روحه المشوهة، المليئة بالخوف من الموت، والرعب من التجاعيد والنقص، والهرب المستمر من الحقيقة عبر الغرق في الملذات أو التفاخر.
العودة إلى الجزيرة!
إنَّ النهاية الحتمية لهذا التراكم السيكولوجي هي التدمير الذاتي!
فصاحب الأنا المتضخمة يعيش في هلعٍ دائم؛ لأن بيته مبنيٌّ على رمال الأشكال المتحركة.
وكما انتهت رواية أوسكار وايلد بأن طعن دوريان غراي لوحته المشوهة ليتخلص من عذابه، فسقط صريعاً وتجعد جسده في الحال، فإنَّ الإنسان المتضخم بالإيجو تقتله أناتُه في النهاية؛ تقتله بالجلطات، بالوحدة، بخراب العلاقات، وبانكشاف الزيف.
الحقيقة الوجودية المدوية التي لا يريد أحدٌ أن يراها ويتعامى عنها، هي أنَّ الأشكال ستزول، والصورة المزيفة ستموت، والتعصب سيفنى، ولن يبقى في النهاية سوى الوعي الصافي الذي بدأنا به كأطفال.
الترياق الوحيد لنجاتنا ليس في بناء المزيد من الأصنام والألقاب، بل في امتلاك الشجاعة لتحطيم صنم الأنا، وخلع قناع دوريان غراي الصاخب، والعودة حفاةً عراةً من كل تصنيف..
عودةً إلى جزيرة (حي بن يقظان) الساكنة والمتأملة في أعماقنا، حيث لا يوجد هناك سوى “الآن”، ونور الخالق، والسلام الصافي الذي لا تمسه تجاعيد الزمن..

لحظة سقوط الأقنعة وخلع المعاطف!
لم يمت “دوريان غراي” من عدوٍ خارجي، بل مات منتحراً بِـ “طعنة حقيقة” من الداخل، وجّهها إلى قلبه حين ظنَّ أنه يوجهها إلى لوحته المخبأة في العليّة.
طوال سنوات، عاش دوريان مخدوعاً برداء الأنا؛ ارتكب الفظائع، وانغمس في الأنانية المطلقة، وافتقد التعاطف، وقسا على كل مَن حوله، بينما ظلَّ جسده الخارجي غضاً، جميلاً، ومشرقاً بشبابٍ دائم.
لقد نجح في حيلته الكبرى؛ فصنع له (الإيجو) قناعاً كاملاً من الجمال، بينما كان يُلقي بكامل نفاياته النفسية، والذنوب، وخطوط الشر، وتجاعيد الرداءة داخل تلك اللوحة المستورة، مستخدماً إيّاها كَـ “قمامةٍ روحية” تحميه من رؤية بشاعته بحقيقتها المطلقة.
لكن الأنا، مهما تضخمت وحاصرت نفسها بالدفاعات والقصص الوهمية التي تنسجها لنفسها.. لا يمكنها أن تهرب من “حتمية الاستيقاظ”.
ففي تلك الليلة الأخيرة..
ستقودك أقدامك كَـ “دوريان” بأن تزيح الستار عن اللوحة بفضولٍ للكشف عن ذاتك، لكنه لم يجد فيها ملامحه الأولى، بل وجد مسخاً مشوهاً، كائناً تفيض عيناه بالقبح والدم، مخيفاً وشريراً.. كائناً يعكس الأنانية التي عاشها.
هنا وقعت الكارثة السيكولوجية؛
لم يحتمل دوريان غراي الحقيقة!!
لقد كانت الصدمة أقوى من بناء الأنا، واكتشف حين اختلى بنفسه أنه ليس هذا الكائن النبيل الذي صفّق له المجتمع، بل هو حقيقة القُبح القابع في الظلام. فرفع الخنجر وطعن اللوحة ومزقها ليتخلص من ماضيه، لكنَّ الطعنة اخترقت قلبه هو!
انهار جسده فوراً، وحدثت المعجزة الكونية المقاومة للزيف:
عادت اللوحة فجأة إلى نقائها البلوري الأول ووسامتها الآسرة، بينما سقط دوريان على الأرض رجلاً عجوزاً، متجعد الوجه، بشع الملامح، ومثقوب الصدر، ليتطابق مظهره أخيراً مع داخله.
لماذا مات دوريان غراي؟ وفلسفة في الاستيقاظ المرعب
مات دوريان لأنَّ الإيجو المتضخم لا يملك “مرونة الوعي”
التي تجعله يتقبل نقصه أو يعترف بخطئه.
لقد عاش حياته كلها وهو يرتدي معطفاً فوق معطف فوق معطف؛ معطف الأفضلية، معطف الاستحقاق الوهمي، ومعطف القناع الاجتماعي.
وعندما جاء وقت الحقيقة المدوية، ونُزعت هذه المعاطف دفعة واحدة أمام حقيقة اللوحة، لم يجد دوريان “ذاتاً حقيقية” يستند إليها؛ لم يجد سوى ضآلةٍ مطلقة، وفراغاً مرعباً، وبشاعةً لا تُحتمل.
فالإيجو لا يحتمل أن يُكشف، ولا يحتمل أن يقال له: “أنت مخطئ” أو “أنت قبيح”.
وطعنه للوحة كان المحاولة الأخيرة من الأنا لإنكار الواقع وقتل الشاهد، لكنَّ قتل الحقيقة هو انتحارٌ دائمٌ للذات الزائفة.
وهنا تكمن لعنة (دوريان غراي) التي تطارد كل صاحب أنا متضخمة.
إنَّ الإنسان المتخم بالإيجو يقضي عمره يرتدي معطفاً فوق معطف فوق معطف؛ يتلفع بألقابه، وانتماءاته، وأفضليته الذكورية أو الطبقية، محتمياً بزيف المظاهر.
فإذا ما جاءت لحظة الحقيقة الوجودية —سواء بصدمة، أو مرض، أو مواجهة صادقة مع النفس— ونزعت الأيام تلك المعاطف عن كاهله، فلن يجد داخله ذاتاً حقيقية شاسعة كـ (حي بن يقظان)، بل سيصطدم بضآلته الشديدة وبشاعته الداخلية التي ظلَّ يهرب منها.
ستنفجر بوجهه لوحته المشوهة التي طالما خبأها في علية الإنكار.
وكما طعن دوريان لوحته لينحر نفسه في نهاية المطاف، فإنَّ الاستيقاظ المتأخر لأصحاب الأنا المتضخمة يكون قاتلاً؛ لأنهم يكتشفون بعد فوات الأوان أنهم أماتوا الروح الخالدة من أجل معبودٍ زائلٍ اسمه.. الصورة.
أضف تعليق