تَرِكَـة الحيَـاة.

أحَاول أن أَخلقَ لي صوتاً.. صوت من الكتابة!

قراءة في غياهب “فلسفة الجنون”

بواسطة

بوصة


مراجعة كتاب

فلسفة الجنون: تجربة في التفكير الذهاني

الكاتب: ووتر كوسترس

عدد الصفحات: 860 صفحة

صادر عن: دار ملهمون


عاصفة الوعي المتمردّ

ماذا لو لم يكن الجنون مجرد عطل ميكانيكي في الدماغ، أو خلل كيمائي عابر تضبطه العقاقير؟

ماذا لو كان في جوهره رحلة وجوديَّة كبرى، وتجربة تفكير حادَّة تتشابك فيها خيوط الفلسفة العميقة بمسارات التصوف الغامض؟

.

من هنا تنطلق مسارات الكتاب يشرح فيها (ووتر كوسترس) تحرير للذهان من قفصه البيولوجي الضيق، ويعيد تقديمه كأحد أعقد أشكال الوعي الإنساني وأكثرها جموحاً..

إنَّ القيمة الاستثنائية لهذا العمل تنبع من كون (كوسترس) لم يكتب مذكراته من برج عاجي، ولم يتأمل شقاء الآخرين كطبيب نفسي مكتفياً بالمراقبة؛ بل هو رجلٌ عبر ذلك النفق المظلم بنفسه وحمل لنا قبساً من النور.. فلقد تاه الكَاتب مرتين وسط وادي الذهان السحيق عبر نوبتين حادتين فصلت بينهما عشرون عاماً، واختبر فيها عتمة الزنازين الانفرادية في المصحة العقلية.

ومن رحم تلك العزلة، ومن بين سطور يومياته وذكرياته، نسج (كوسترس) مختبراً حياً يختبر فيه أفكاره الفلسفية.

فهو يخبرنا بأسلوبه الفلسفي بأنَّ الجنون ليس عيباً في الجسد، بل هو أشبه بطائر صغير رقيق، وجد نفسه بغتةً في مواجهة عاصفة هوجاء من الأسئلة والأفكار الوجودية.

في وادي اللانهاية

هذا الكتاب ليس مجرد سِفر ضخم يربو على الثمانمائة صفحة ويتطلب منك نفساً طويلاً وتركيزاً شاهقاً لاستيعابه فحسب، بل هو محيط فكري تتلاطم فيه الأفكار بغزارة تجعل من المستحيل اختزاله في قراءة واحدة.

إنني أشعر سأعود إليه مجدداً في كل منعطف من جنوني؛ فكلما تغير شيء في تفكيري، أو نَمَت في داخلي مساحة جديدة من اهتمام، سأجد في سطوره مرآة مختلفة تعكس هذا التحول.

في هذا العمل (كوسترس) يُفكك لغة “المجانين” ويهدمها ويعيد بنائها من جديد بمنطق وفلسفة ورؤية نادرة ومبهرة كُتبت من داخل عتمة “المصحَّة”، فهو لا يُحلل المرض، بل يكسر تلك الوصمة الاجتماعية حول الأمراض العقلية، ويمنح الذهانيين صكاً من “الكرامات العليا”، حتى ليخيَّل للقارئ أحيانًا أن الكاتب لا يشرح الجنون، بل يمجده كحالة وعي سامية!

ومن أعمق التجليات الفلسفيَّة في الكتاب، تلك المساحة المشتركة التي يرى الكاتب أن “الفيلسوف” وَ “المجنون” يتشاركانها:

وهي الشغف المحموم بِـ “اللانهاية”!!

مع اختلاف الفارق بينهما يكمن في المسافة؛ بينما يقف الفيلسوف على ضفة الأمان يطرح اسئلته التجريديَّة حول الزمان والمكان والواقع.

يُلقى الذُهاني في قلب المعركة، يعيش تلك الأسئلة كحقائق مرعبة، وملموسة، لا مفر منها.. حقائق تعيد تشكيل العالم وتكوينه أمام ناظريه لحظة بلحظه.

فالزمن بالنسبة له لا يسيرُ في خط مستقيم، بل يتجمد أو يتراجع أو يتداخل، وتفقد الساعات والأيام والتقاويم معناها..

التيه بين الاستنارة والذهان | رقص على حبل مشدود!

إن أكثر ما يُثير الدهشة في رحلة (كوسترس)، هو ربطه بين تجارب الذهانيين ومقامات المتصوفة العارفين.

ففي هذا الكتاب جعل من الرؤى الذهانية والهلوسات العاصفة، تتشابه مع حالات “الاستنارة الروحية” والانتشاء الصوفي في أقصى تجلياته؛ حيث كلاهما يسعى خلف الحقيقة المطلقة، والنقاء المطلق، وعن تجلٍّ يملأ الروح، لكن أحدهما يصلُ للسكينة، أما الآخر فيضيع في العاصفة.

يصف (كوسترس) “نور الاستنارة الصوفية” وَ “عاصفة الذهان الحادَّة” بأنهما أشبه برقصة على حبل مشدود بين السماء والأرض. فكلاهما ينطلق من المحطة ذاتها: الانفصال التام والجذري عن الواقع اليومي المزيف.

لكن، في حين أن المتصوف ينسحب من هذا العالم بكامل إرادته، ويخلع رداء الرغبات والطموحات الدنيوية باحثاً عن لحظة الصفاء والسكينة.

يُقذف فيها الذهاني قسراً حيث يسقط في واقع يبدو كمرآة مكسورة، ويجد نفسه في مواجهة مع هذا الواقع الموجع وغير المفهوم والذي يبدو كمن لا نهاية له.

وفي ذروة هذه التجربة، يعيش الذُهاني لحظات يُطلق عليها الطب النفسي “أوهام العظمة” أو “الهلوسة”.

غير أن (كوسترس) منحها ترجمة أخرى بوقع أخف فأسماها “استنارة صوفية”.

فيشعر بتلك اللحظة الذهاني بأنَّ الجدران الفاصلة بين داخله وخارجه قد ذابت؛ ويشعرُ بأنَّ النجم المعلق في السماء ينبضُ في جوف صدره، وبأنَّ صوت الرياح في الخارج ما هي إلَّا همساً سرياً موجهاً لمسامعه وحده.

وهذا التلاشي هو ما يختبره المتصوفة تماماً؛ إذ تتوقف عقارب الساعة، وينصهر الماضي والمستقبل في لحظة واحدة أبديَّة، يسميها (كوسترس) “زمان الرب” حيث لا حصاد للأيام، ولا قياس للمسافات.

لكن مفترق الطريق يفصح عن نهايته؛ فينجو المتصوف لأنه يدرك بحكمته أن تلك التجليات ليست سوى إشارات عابرة عن الطريق فلا يتشبث بها.

بينما يغرق الذهاني في “فخاخ الصور والرموز”. يقع الذهاني أسيراً للهلوسة والرمز؛ فيظن تارةً أنه بُعثَ نبياً، أو أنَّ شفرات التلفاز ليست سوى رسائل كونية مشفرة كُلفَّ بها لإنقاذ العالم!

وبسبب هذا التشبث يعجز عن العبور إلى الضفة الأخرى، وتتحول الاستنارة الروحية في داخله من نورٍ يضيء، إلى حريق هائل يلتهمه!!

الدهشة الكبرى والعبور نحو الحكمة

برأيي أكثر ما دفع (كوسترس) إلى أن يصف المتصوفين والذهانيين بالتشابه، تكمن جذوة هذا التشابه بِـ “الدهشة الوجوديَّة الكبرى”.

فكلاهما يعبر الحدود المرئية ويرى ما وراء حدود العين البشريَّة أن تراه، فيجدا نفسيهما أمام أفقٍ ممنوعٍ عن الوصف؛ حيص تعجز الكلمات وتضيق الحروف عن اتساع ما شهدته الروح.

وعلى إثر هذه التجربة الخارجة عن عالمنا المألوف، يبدو لنا المتصوفة لغزاً محيراً يكتنفهم الغموض.

ويتراءى لنا المجنون هائماً في التيه، يخلط الكلمات بلا معنى..

.

وفي ختام هذه الرحلة العاصفة، يرى (كوسترس) أن خوض تجربة الذهان وتجاوز عواصفها بنجاح، قد يقود الإنسان في النهاية إلى شكل من أشكال الحكمة العُليا أو أشكال الشفاء الذاتي العميق؛ وهو ما أطلق عليه “صناعة البلورة”. فالذهان هنا ليس مجرد تدمير للذات، بل هو إعادة تشكيل صلبة للوعي بعد تفككه.

إنَّ هذا الكتاب لا يُقدم نفسه دليلاً طبياً جافاً، ولا شرحاً مبسطاً لعلم النفس؛ بل هو سِفر ثقيل مفعم بالاعترافات الشخصية، ومتأرجح بين المنطقية واللا منطقية.

فهو عمل صيغ خصيصاً لأولئك الشغوفين بحدود الوعي البشري واستكشاف أقصى حدوده، ومن يملكون الشجاعة للغوص “داخل” عقل مريض لفهمه ومشاركة تجربته، بدلاً من الاكتفاء بتشخيص الأعراض التقليدية من الخارج.

إنه يقف على تلك الحافة المهيبة والفاصلة بين العقل المطلق والجنون..

29.05.26


أضف تعليق