في الحكمة من اللقمة الأولى…
أتدركين ذلك الشعور عندما تسيرين، فتسقط في يدكِ فاكهةٌ طيَّبة المذاق، وحين تذوقينها، تأخذين بذورها لتزرعيها وترقبي نماءها، رغبةً في تذوقها مجدداً؟
حينها تقولين في نفسكِ: مُحال أن يسوقها الله إلى يدي دون مسألةٍ مني، ومُحالٌ أن تكون هذه المرة الوحيدة التي أرتشف فيها هذا المذاق.
لماذا يُعرِّفني ربي على حلاوتها إن كان لن يرزقني إياها مجدداً، ولن يُتيح لي تذوقها ثانية؟
لماذا قد أذوق هذه الفاكهة لمرة واحدة فأستمتع بها، وأبذل قُصارى جهدي لإعادة زراعتها، وأحمد الله عليها مبتهجةً بعظمته في خلقها.. ثم لا تنبت معي بعد ذلك؟!
إنَّهُ ذات الشعور حين تسيرين لتصلين إلى مكانٍ لم يخطر لكِ على بال، ولم يكن يوماً هاجساً يسكنكِ، سوى ومضات سريعة كبروقٍ خاطفة. فجأة وأنتِ تمضين في طريقكِ، تجدين نفسكِ أمامه.. عنده .. عند عتبة المدخل تماماً!!
لم تكوني تقصدينه بعينه حين بدأتِ السير، ولم يكن مدرجاً لا في قائمة أحلامك، ولا في خطة رحلتكِ أصلاً، لكنكِ رأيتهِ، تأملتِهِ، من الخارج، فأعجبكِ، وتملكتكِ رغبة عارمة في الدخول، بيدَ أنكِ واقفةٌ عند الباب، وعاجزة عن العبور.

وتقولين: مُحالٌ أن يُلهمني رب العالمين ويقود خطاي إلى هذا الباب – وأنا التي لم أكن أفكر فيه – ليتركني واجمةً هكذا!
مُحالٌ أن تكون خطتهُ أن ألمس الأشياء دونَ أن أنالها!
لماذا قد أذوق شيئاً لن أحصل عليه؟ وأنا لم أسرقه، ولم أختطفه، ولم أعتدِ على حق أحدٍ فيه.. إنما سقط في يدي سَوقاً، وسرتُ فوجدتهُ يتجلى أمامي. لقد وافقتني اللحظة.. فكيف يصح في مجرى الحياة أن يكون نصيبي أن أبصر الأشياء دون أن أطولها؟ وأن أقف عند الباب دون أن يُفتح لي فأدخل…؟
ليسَ يأساً والله، وقد يبعث الكلام على الشجن، لكنه في الحقيقة هو بين منزلة بين (الانتظار) وَ (اليقين).
كنتُ وما زلتُ أقول: أنَّ الله لا يخلقُ رغبة في نفس الإنسان عبثاً، ووجود “الظمأ” في نفس الإنسان ما هو إلا دليل على وجود “الماء” في مكانٍ ما.. فكيف بمن ذاق قطرة.. محال أن يُحرم المطر!
إنها تبدو كإعادة توجيه لتصنع مساراً جديداً لم تكن تفكر فيه.
ومدام الله زرع في قلبكِ حلماً محال ألا يهبك القدرة على تحقيقه، ولا أن يبثُّ فيك رغبةً في أمرٍ إلا وأذن لكِ بنيله. فكيف به وهو يعطيكِ اللقمة الأولى ويُذيقكِ حلاوتها، ويفتح عينيكِ على جمال لم تكنِ تعلمين بوجوده في الدنيا؟ لا يمكن سبحانه أن يترككِ طوال العُمر متلهفةً عليه، بعد أن أدناكِ منه، ثم يحرمكِ إياه!
هذه محطتي.. محطة (العتبَة) والوقوف على الباب، فأنا لم أعد في الخارج “أجهل بالشيء” ولكني لم أدخل بعد “امتلكه”..
محطة (انتظار) لأشياء أوقن أنها آتية… كيف؟ متى؟ أين؟ لا أدري.. لكنني على (يقين) بأنها ستأتي..
أضف تعليق