تَرِكَـة الحيَـاة.

أحَاول أن أَخلقَ لي صوتاً.. صوت من الكتابة!

سيَــاط الأرق| العَـقل الذي يرفض الصمت DMN.. |٢|

بواسطة

بوصة

مكر الكلمات| الهندسة النفسية واللغوية في سورة يوسف


سؤال الأرق لليوم:

“حينَ وصلت لامرأة العزيز الحديث الدائر في كواليس المدينة، كان مجرد ما سمعته يدور حولَ “الغيبَـة” وَ “النميمَـة” العابرة، فلماذا وصف القرآن ما سمعته قوله وبدقَّـة عالية {بِمَكْرِهِنَّ}، لماذا ارتقت ثرثرات النسوة الشفاهية هنا لمرتبة “المكر” وتجاوزت مفهوم النميمة التقليدية..؟”


1. الفلسفَـة اللغويَّة عند العرب| جغرافيا الخفَـاء!

في الميزان اللغوي العربي، لم يُشترط في “المكر” أن يكون حالة ماديَّة أو من الخطط الحربيَّة، بل هو يُعتبر مكرًا “كل ما يُحاك في الظلام لإحداث أثر في العلن”.

  • الغيبة والمكر يشتركان في جغرافيا واحدة وهي “الخفَـاء“. فالنسوة هنا لم يواجهن امرأة العزيز، بل نسجنَ حديثاً يدور “في المدينة” بعيدًا عن ناظريها.
  • “المكر” والغيبة لهما أثر مُتعدي.. فلم يكن مقصدهن تزجية وقت، بل قصدن إلحاق ضرر حقيقي وممنهج بسمعة تتربع على قمَّة الهرم الاجتماعي. فهن أردن من الكلمة إسقاط هيبتها.. وهذا عين المكر..

2. السيكولوجيا العكسية| حيلة الذمّ الإستدراجي!

وبعد ما رأيناها لغويًا، فإن لفظة “المكر” نفسيًا وسلوكيًا تحمل دلالات تشير على دقَّة فائقة في وصف القرآن لهذه الكلمة تحديدًا. فهو أشبه بتداخل لغوي، وفلسفي، ونفسي، يفكك شفرة كلمة في مشهد اجتماعي معقد تُظهر لك عُمق الصورة.

النسوة لم يكنّ يمارسنَ وعظًا أخلاقيًا، ولا ينطلقن من منطلق العفَّة والفضيلة حين قلن: {امرَأَتُ العَزيزِ تُراوِدُ فَتاها عَن نَفسِهِ قَد شَغَفَها حُبًّا}.

لقد كان ذمهنّ لها ذمًا “براغماتياً” ذكيًا ودقيقًا، كن يمارسن (الاستدراج العكسي) فهن يعلمن يقينًا عن جمال يوسف الذي شَـاع ذكره، ويدركن في ذات الوقت “سيكولوجية الكبرياء” لدى امرأة العزيز؛ فهي امرأة ذات سلطة ونفوذ، ولن تتقبل الوصف الذي وصفنها به وأن تكون ضعيفة أمام “فتى” يعمل لديها..!

هنَّ تعمدن استفزازها لتقع في الفخ النفسي ليدفعن كبريائها إلى حافة الدفاع عن النفس. والخيار الوحيد لامرأة في مقامها ومركزها وترتكز على كبريائها أن تبرر اندفاعها عاطفيًا “ومشاركتهن في رؤيته”. فهن قصدن أن يدفعها كبريائها لإظهار يوسف أمامهن وتبرر الإدانة التي وقعت فيها.

وهذا ما حدث تمامًا حين قالت: {فَذٰلِكُنَّ الَّذى لُمتَنَّنى فيهِ}.

هذا التوجه في التفسير النفسي العميق هو ما فسرّه الإمام القرطبي في “الجامع لأحكام القرآن”، وأبو حيَّان الأندلسي في “البحر المحيط”.

3. سوسيولوجيا الكلمة| من النميمة إلى رأي عام!

من أشعلن فتيل هذه النميمة أصلًا هن خمسة نسوة فقط من حاشية القصر (امرأة الساقي، وامرأة الخبَّاز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة السجَّان، وامرأة الحاجب). ورغم ذلك أُطلق على فعل الخمسة لفظًا يوحي بالتنظيم البالغ..؟

يرى الإمام الزمخشري في “الكشاف” عن لمحة اجتماعية مذهلة، فحين سمَّى القرآن صنيعهن “مكرًا” بصيغة الجمع لأنَّ الأمر لم يعد مجرد حديث بينهن، بل تحول بسرعة إلى “رأي عام مُنظم” وكتلة كيدية مجتمعية تحيط بامرأة العزيز.

هو أشبه بِـ “تأثير الفراشة” بشكل اجتماعي، تبدأ من امرأة واحدة في الخفاء، وتتحول إلى شبكة ضغط اجتماعي كاملة. وهو تحشيد غير مرئي ضد السلطة التي تمتكلها امرأة العزيز ولأنَّه كان فعل جماعياً بقصد هدم حصانتها السياسة والاجتماعية في المدينة سُمي “مكراً”.

الخلاصة:

الكلمَـات ليست دائمًا بريئة، فقد تخرج من سياق التنفيس والتأنيب إلى سياق الاستهداف والتعذيب والاستدراج الممنهج. فتصبح سلاحًا سيكولوجياً فتاكاً، يُدار في الخفاء لإجبار الضحية لإثبات براءتها لكن وفق رغبة الماكرين أنفسهم.

“الكلمات في ألسنة الماكرين ليست وسيلة للتعبير عن الأفكار، بل هي شبكة تُحاك بدقة لاصطياد ردود أفعال الآخرين”.

علي عزت بيغوفيتش


أضف تعليق