تَرِكَـة الحيَـاة.

أحَاول أن أَخلقَ لي صوتاً.. صوت من الكتابة!

كائنٌ متسائل: ما الحكاية بالضبط؟ | قراءة وجودية في كتاب “حقيقتنا المطلقة”

بواسطة

بوصة


مراجعة كتاب|
حقيقتنا المطلقة | الحياة والكون وقدر الإنسان

للكاتب: إدريان كوبر

ترجمة: أ.د. منذر محمود محمد


إذا كان هذا الكونُ مُصمَّماً بهذه الدِّقة وهذا الإبداع، لا يمكن أن يحتوي على أخطاء، ولا يحوي مجالاً للمصادفة.. ولا يمكن أن يكون فيه اختلال، بل يسير وفق خطةٍ دقيقة لا تحيد أبداً..

فلماذا أنتَ بالذات موجود، وليسَ أحدٌ آخر؟!

في هذا الوجود، في هذا التوقيت، بهذه الهيئة، بهذا الجنس، وفي هذه البقعة الجغرافية بالتحديد، ولك هذا المصير تحديداً..؟!

تمشي بهذا المقدار، وهذا القَدْر، بهذه المقدرة.. وذلك القَدَر.. وهذه القدرة..!

لماذا أنت..؟

لماذا أنا..؟

.

.

لستَ هُنا بمحض الصدفة، ولعلَّ قراءتك لهذه السطور الآن هي جزءٌ من تلك الخطة الدقيقة!

وللإجابة عن هذه التساؤلات الكبرى، يأخذنا الباحث والكاتب إدريان كوبر إلى البوابة الأولى والشرارة الإنسانية التي تدفعك للغوص في أعماق كتابه “حقيقتنا المطلقة: الحياة والكون وقدر الإنسان”، مُثيراً تساؤلاتٍ حول ماهيّة الإنسان، وسرِّ وجوده، وشفرات الوجود؛ ليثبت لك بالدليل الروحي والعلمي أنك لستَ مجرد رقمٍ عابر في هذا الوجود، بل أنت جوهر هذا الكون، والمقصود الأول من هذه اللوحة الإبداعية العظيمة.. فيجيبك بشكل مباشر وعميق عن السؤال الأهم: من نحن؟ ولماذا نحن هنا بالذات؟

إدريان كوبر لم يكتب “حقيقتنا المطلقة” ليكون مجرد كتاب فيزياء أو فلك، بل كتبه لربط بين حركة الكون اللا متناهية وبين “قدر الإنسان – Destiny“.

الكتاب يبدأ من فكرة النظام الكوني الصارم الذي يسير وفق خطَّة دقيقة ليصل لنتيجة مفادها:

وجودك ليسَ صُدفة أبداً، وجيناتك ليست صدفة، ومكان ولادتك جزء من خطة تطورك الروحي ونفسك الأعلى..

ولكي تبدأ في فك هذه الشفرات، يضعك إدريان كوبر أمام هذه الحقيقة الكونية التي تختصر عهدك الجديد مع كتاب “حقيقتنا المطلقة”، حيث يخبرك قائلاً:

“من ينطلق في رحلة البحث عن قَدَره الحقيقي، وهو نفس القدر الذي يواجه البشريَّة جمعاء، فإنه سوف يكتشف قدراً يقوده إلى فضاءات من العظمة والروعة والنعيم، لا يمكن لمن لا يزال يحشر نفسه في بوتقة الحياة الماديَّة وعالم المادة استيعابها. إن أمثال هؤلاء الذين يصلون إلى تلك الذُّرى سوف يتمتعون بقدرات لا تطالها أحلام معظم من ما زالوا يعيشون في وهم الحقيقة الماديَّة؛ وهي قدرات سوف تُستخدم دائماً من أجل الوصول إلى غايات أسمى، وذلك بغية تحقيق التطور المنشود للإنسانية وللكون بأسره”.

لذلك، لنخلع قيود الوهم المادي، ودعنا نفتح معاً البوابة الأولى لهذا الكون من خلال فصول الكتاب…

لكي تفك شفرة وجودك، وتعرف لماذا أنت هنا بالذات، يجب أن تبدأ رحلتك من الحجر الأساس الذي يبني عليه إدريان كوبر كل أفكاره الروحية؛ وهو مفهوم (الوعي الكمي).

هذا المفهوم هو المفتاح الأخطر في الكتاب؛ لأنه يأتيك بثورة علمية تزلزل قناعاتك لتثبت لك أن هذا الكون ليس مادة جامدة، مصمتة، ومنفصلة عنك، بل هو استجابة مباشرة ولحظية لوعيك أنت! 

ومن هذه الحقيقة العلمية الصلبة، سننطلق معاً لنكتشف كيف يصنع وعيك كل تفاصيل واقعك…

  • لماذا تُعدّ فرضيَّة “الوعي الكمي” خطيرةً إلى هذا الحد؟ 

لأنها تخبرك بصدمةٍ كبرى: وعيُك أنت، يستطيع أن يُغيِّر سلوك الكون ومادته!

دعنا نأخذك إلى “تجربة الشق المزدوج” الشهيرة في فيزياء الكم لتفهم الأمر؛ عندما قام العلماء بإطلاق جزيئات الضوء (الفوتونات) عبر شقين متوازيين دون وجود أي مُراقب أو راصد بشري، تصرفت الفوتونات كـ “موجة” حرة منتشرة في كل مكان.

لكن المفاجأة الصاعقة حدثت هنا..

بمجرد أن وضع العلماء جهازاً لمراقبة ورصد تلك الفوتونات، غيرت سلوكها فوراً!

والتحمت لتتصرف كـ “جسيمات” مادية منضبطة ومحددة المكان.

فهل يعلم الفوتون أنه مُراقب ليغير سلوكه؟

الحقيقة الوجودية التي يثبتها لك هذا الكتاب هي:

أن وعيك أنت، وانتباهك، ورصدك للأشياء هو الذي يُجبر طاقة الكون غير المحدودة على أن تتجسد أمامك في صورة مادة واضحة وملموسة!

وحتى نبتعد عن التعقيد العلمي، دعنا نُبسط لك هذا المفهوم بصورة لن تنساها أبداً؛

 هل تذكر فيلم الرسوم المتحركة الشهير (توي ستوري – Toy Story)؟

في الفيلم، كانت الألعاب تتحرك وتعيش حياتها بحرية طالما أن البشر لا ينظرون إليها، وبمجرد أن يفتح أحدٌ الباب، تتجمد الألعاب فوراً وتتحول إلى مجرد دمى جامدة بلا حراك.

الكون الكمي الذي يعرضه لك كتاب “حقيقتنا المطلقة” يعمل بالآلية ذاتها، ولكن بالعكس تماماً!

طالما أن انتباهك ووعيك ليس ملقىً على الأشياء، فإن الكون خلف كواليس رؤيتك يكون عبارة عن طاقة حرة، سائلة، ومرنة، تمتلك آلاف الاحتمالات لتتشكل. لكن.. بمجرد أن تلتفت أنت، وتُعير هذا الكون انتباهك وتركيزك، تتجمد تلك الطاقة فوراً وتتحول إلى مادة جامدة، صلبة، ومحددة لتظهر أمام عينيك!

إذن، الكون لا يتشكل ولا يأخذ صورته الثابتة إلا لأنك أنت تنظر إليه؛ وعيُك هو المخرج الذي يُجبر طاقة الوجود على التجسد في واقعك.


والآن، بعد أن أدركتَ أن وعيك هو الذي يُجمد طاقة الكون ويجعلها مادة ملموسة،

قد تسأل نفسك: كيف ينعكس هذا الوعي الكمي على واقعي اليومي، وعلى صحتي وجسدي؟

الحقيقة التي يكشفها لك الكتاب هي أن جسدك الفيزيائي وصحتك ليسا مجرد كتل مادية ثابتة، بل هما انعكاس مباشر لأفكارك وتركيزك.

تماماً مثل تشبيه الألعاب؛ طالما أنك تُعير انتباهك للمرض، والخوف، والضعف، فإن طاقة الكون المرنة ستتجمد أمامك فوراً في صورة خلايا مريضة وجسد واهن!

أنت حرفياً تقوم ببرمجة خلاياك عبر نوعية انتباهك.

ومن هنا يفتح لك إدريان كوبر بوابة (الشفاء الذاتي)؛ فإذا كان وعيك يمتلك القوة لإضعاف جسدك، فهو يمتلك بالضرورة القوة المطلقة لشفائه.

عندما تُغير اتجاه بوصلة وعيك، وتركز على الصحة الشاملة، والوفرة، والتناغم مع طاقة الكون، فإنك تُجبر طاقة الاحتمالات اللامتناهية على أن تتجسد في واقعك كصحة متجددة، وجسد حيوي، وحياة مليئة بالسلام.

واقعك اليومي وصحتك ليسا قَدَراً مفروضاً عليك من الخارج، بل هما لوحة بيضاء تنتظر ما سيرسمه وعيك وانتباهك في كل لحظة.

وبعد الإثبات للقارئ بالفيزياء أن وعيه يصنع مادته، يأخذه الآن خطوة أعمق ليكتشف أن هذا الوعي ليس مجرد آلية بيولوجية، بل هو شرارة إلهية وكونية مشتركة تلتقي فيها كل الأديان والفلسفات.

فبعد أن اكتشفتَ أن وعيك هو المخرج الذي يُشكل المادة ويصنع واقعك وصحتك، لا بد أنك تتساءل الآن: 

من أين يستمد وعي الإنسان كل هذه القوة الخارقة؟ ومن أنت حقاً لتتحكم في سلوك الكون؟

هنا ينطلق بك إدريان كوبر إلى المحور الأكثر عمقاً وفلسفة في كتابه؛ ليأخذك في رحلة مذهلة عبر أديان الأرض وفلسفاتها الكبرى، ليفاجئك بأن الحقيقة المطلقة حول مفهوم (الرب والوعي الكوني) هي حقيقة واحدة، تجتمع عليها البشرية بأسرها مهما اختلفت الشرائع والمسميات.

يدعوك الكتاب لتتأمل كيف تلتقي هذه البصيرة الروحية في داخلك:

  • في الإسلام: تجد المقاربة العميقة: “مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ”.
  • وفي المسيحية: يخاطبك الإنجيل مباشرة: “مملكة السماء هي بداخلك”.
  • أما البوذية: فتنصحك: “انظر إلى داخلك، هناك يقبع بوذا”.
  • وفي فلسفة الفيدانتا (الهندوسية): يُلخصون الأمر بأن الوعي الفردي للإنسان (أتمان) والوعي الكوني الشامل (براهمان) هما في الأصل جوهرٌ واحد.
  • بينما تخبرك نصوص الأوبانيشادس العتيقة: “تستطيع معرفة الكون كله إذا استطعت أولاً أن تعرف نفسك”.
  • وفي علوم اليوغا الروحية: الحقيقة هي أن “الرب يعيش في ذاتك كذاتك”.
  • وصولاً إلى الكونفوشيوسية: التي تجمع المشهد قائلة: “السماء والأرض والبشر يشكلون كياناً واحداً متصلاً”.

ماذا يعني كل هذا لك؟

يعني أن هذا الكون ليس منفصلاً عن خالقه، وأنك لست منفصلاً عن هذا المدد الإلهي. الوعي الكمي الذي تمتلكه ويغير سلوك المادة ما هو إلا الشرارة المتصلة بالمصدر الأول والوعي الكوني الأعظم. أنت لست مجرد متفرج في هذا الوجود؛ أنت والكون والخلق تحملون الشفرة ذاتها.. شفرة تقبع في أعمق نقطة بداخل نفسك.

ولكي تدرك أن هذه الحقيقة الروحية ليست مجرد نظريات فلسفية، بل هي مبرمجة في أعمق أعماق تكوينك النفسي؛ دعنا نأخذك إلى واحدة من أشهر المقابلات التاريخية في علم النفس مع العبقري “كارل يونغ”.

عندما سأله المذيع مباشرة: “هل تؤمن بالله؟!”

صمت يونغ قليلاً، ثم أطلق إجابته الصادمة والشهيرة: “أنا لا أؤمن.. بل أنا أعرف!”

ماذا كان يقصد يونغ بهذه الكلمة اليقينية؟

كان يقصد أن (الله) في علم النفس التحليلي ليس فكرة جافة تختار أن تؤمن بها أو ترفضها، بل هو أحد النماذج البدئية الكبرى (Archetypes)المحفورة في الـDNA النفسي للبشر.

إنه برنامج يولد معك، وجزء لا يتجزأ من لاوعيك الجمعي الذي يربطك بالكون كله.

وتابع يونغ ليفسر لك هذا الحضور التلقائي في لحظاتك الصادقة قائلاً: “أنا أقول (يا إلهي!) فور حدوث شيء غير متوقع وتلقائي..!”

هذا الاعتراف من عالم نفس فذ يثبت لك ما يحاول إدريان كوبر إيصاله في ‘حقيقتنا المطلقة’؛ تلك القوة العظمى والوعي الكوني الذي تبحث عنه ليس بعيداً في السماء، وليس نظرية تحتاج أن تقنع عقلك بها. إنها الحقيقة الكامنة في خلاياك، والتي تنطق بها روحك لا إرادياً في لحظات الذهول.

وتأسياً بهذا اليقين النفسي والكوني، قد يتسلل إلى عقلك سؤالٌ آخر: 

ما فائدة هذه الرحلة العميقة كلها؟ وما فائدة الحياة الفكريَّـــة والروحية؟

الإجابة تكمن في أن الحياة الفكرية التي يفتح هذا الكتاب أبوابها لك ليست ترفاً، 

بل هي ملجأٌ لك من الشدائد، وتذكيرٌ دائم بكرامتك الإنسانية، ومصدرٌ أصيل للبصيرة والتفاهم.. إنها الحديقة الوارفة التي ينمو فيها طموحك الحقيقي، والتجويف الآمن في جدار الوجود الذي يمكنك أن تنسحب إليه مؤقتاً من صخب الخلافات الحالية، لتحصل على منظور كوني أوسع، وفرصة ثمينة لتُذكِّر بها ذاتك بتراثك الإنساني الخالد..

الكتاب ضخم، وفصوله كثيرة (البالغة 113 فصلاً)..

لكن لنحاول أن نأخذ رحلة طيران سريعة وخاطفة فوق فصوله واجزاءه، لنرى كيف تترابط هذه السلسلة الكونية في عقلك أنت:

الجزء الأول:

من مجرات الكون إلى جوهر الخالق| كَوْننَـا اللامُتناهي.

في هذا الجزء، يرفع الكاتب بصرك نحو الكون اللامتناهي وأبعاده المتعددة السابحة في الطاقة، ليثبت لك أن المادة وهم، وأن الفيزياء الحديثة تلتقي مع الروحانيات.

ويبدأ هذا المسار باستعراض طبيعة الكون وفلسفات الشرق والغرب من الهندوسية، الطاوية، والبوذية، إلى حكمة الغرب؛ ليعيد في ذهنك تعريف كلمة “الرب” والمصدر الأول، مبيناً أن كل الطرق الروحية في التاريخ تشير إلى حقيقة واحدة تقبع في وعيك الداخلي.

ثم يتدرج بك عبر المبادئ الكون السبعة الهرمسية (العقلانية، التوافق، الذبذبات، القطبية، الإيقاع، السبب والنتيجة، والجنس)المستوحاة من لوح هيرميس الزمردي ونصوص الكابالا، ليربطها بحكمة العصور وحقائق الفيزياء الكمية.

ومن خلال هذا المزيج، يبرهن لك أنك تعيش في كون يعج بالذبذبات محكومٍ بقوانين الطاقة الحيوية وعناصرها وقانون الكارما؛ مما يفتح لوعيك الباب لفهم الظواهر النفسية الخارقة كالاستشعار عن بعد وتوارد الخواطر، لتقودك كل هذه الفصول السبعة والعشرون في النهاية نحو إدراك طبيعة الرب الحقيقية الكامنة في أعمق نقطة من ذاتك.

الجزء الثاني:

شفرات ما بعد الموت.. ما وراء الغياب | الحقائق الداخليَّــة

بعد أن يربطك الكاتب بالكون، يغوص بك في هذا الجزء إلى أعمق عوالمك الباطنية ليعرفك على نفسك الأعلى، ويفكك لك طلاسم فصوله الاثنين والأربعين بادئاً بالإجابة عن السؤال الذي طالما أرعب البشر: ماذا يحدث بعد الموت؟

هنا يشرح لك الكاتب بأسلوب علمي وروحاني مبسط حقيقة الأشباح، التقمص (تناسخ الأرواح)، والتبعات الطاقية للانتحار. ولكي يستوعب وعيك هذه الرحلة، يكشف لك عن تركيب أجسادك الداخلية؛ من الجسد الطيفي (النفس)، إلى الجسد الذهني (الروح الخالدة). ومن هنا، تعبر من عالم المادة لتستكشف سطوح العقل البشري وغير البشري، وتبحر في خارطة العوالم والسطوح الطيفية؛ بدءاً من السطوح الأدنى وأرضيات نظم الاعتقاد ومخلوقات الحكايات الخرافية، وصولاً إلى السطوح الذهنية والسماوية والكونية حيث تتجلى الهرمية الملائكية، والملاك الحارس، والمرشدون الروحيون.

ولا يقف الكتاب عند حدود الوصف، بل يكشف لك أسرار التواصل مع هذه الفضاءات الداخلية؛ مفككاً حقيقة قارئي الغيب، الوسطاء النفسيين والروحيين (الحقيقيين منهم والمغشوشين)، ومفسراً ظواهر كـ لوح ويجا، الصوت المباشر، وظاهرة الصوت الإلكتروني عبر الأجهزة. وفي ختام هذا الجزء الصاعق، تكتشف شفرات الإدراك الفائق عبر الاستبصار وقراءة السجل الأكاشي الكوني، لتصل إلى ذروة التحرر البشري من خلال أسرار الإسقاط الطيفي وطرقه الثلاث، والتجربة اللاجسدية، وتجارب الموت الوشيك؛ مؤكداً لك أن الموت ليس نهاية، بل هو مجرد انتقال لوعيك الخالد من تردد طاقي ضيق إلى أبعادٍ كونية أرحب وأوسع.

الجزء الثالث:

أدوات التحرر والعودة إلى القدر المطلق| كيف تتحكم بقدرك..؟

الجزء الثالث بفصوله الأربعة والأربعين
في المحطة الأخيرة من هذا العمل الموسوعي الشامل، لا يتركك الكاتب مجرد مستمع أو متفرج، بل يمنحك عبر فصوله المفاتيح العملية والأدوات للتحرر من سجن الجسد والسيادة الكاملة على خطتك الروحية؛ رابطاً لك الأجزاء السابقة ليعلمك كيف تتصل بنفسك الأعلى وتعيش الشفاء الذاتي، والوفرة، والسلام والكمال الروحي، متناغماً مع قدرك الكوني بامتياز.

ويبدأ هذا المسار بتهيئة كيانك عبر التقدم على مسار الحياة من خلال أدوات التمكين الباطنية؛ كـ الاسترخاء الجسدي التام، وممارسات التركيز، والتأمل العميق (بما فيه تأمل القلوب التوأم) لتكتشف كيف يغادر وعيك جسدك الفيزيائي لاستكشاف العوالم عبر الإسقاط الطيفي ورؤية الأشياء بجفون مغلقة. ومن رحاب الآن الأبدية، يفكك لك الكاتب التناقض الإنساني ليعلمك كيف تطوع القوانين الكونية لصالحك؛ بدءاً من قانون التجاذب، وحقيقة المال، وقوة التفكير الإيجابي، والتوكيدات، وصولاً إلى قوى المخيلة والرؤى الخلاقة وقوة العواطف، ليعطيك السر الأكبر في كيف تخلق حقيقتك الخاصة بك وتوفق بين رغباتك حين تسلم أمرك للرب.

ثم ينتقل بك الكاتب من سيادة الذات إلى نفع الوجود، فيشرح لك متعة وقوة العطاء والعلاج بالطاقة وطاقة الحياة ومبادئ وممارسات معالجة نفسك والآخرين. ومن هنا، يضعك أمام نهج حياتك الحقيقي وقدرك المطلق؛ داعياً إياك لتطبيق شفرة (اعرف نفسك) عبر تجاوز الأنا، وتحقيق توازن النفس، والإيحاء الذاتي، وفك رموز الأحلام عبر دفتر يومياتها، لتستمع في النهاية إلى صوتك الداخلي وتتدفق مع الحياة.

يختتم إدريان كوبر كتابه بزرع بذور الارتقاء الأخير في روحك عبر احترام كافة أشكال الحياة، والخدمة الإيثارية، واستيعاب دروس الحياة، والذوبان في الحب الخالص والنقي؛ لتدرك في المحطة الأخيرة والنهائية “حقيقتنا المطلقة”، وتعود إلى مصدر الخلق الأول في حالة من السعادة والكمال الروحي.

العودة إلى السؤال الأول

والآن، بعد أن طفتَ بهذه المركبة الفكرية عبر أبعاد الكون، وفككتَ شفرات الوعي الكمي، وعبرتَ عوالم الطاقة والبرزخ وصولاً إلى سيادة روحك؛ حان الوقت لتقف مجدداً أمام المرآة، وتصغي إلى الصمت بداخل نفسك.

عد بذاكرتك إلى سؤالنا الأول:

لماذا أنت بالذات موجود هنا الآن، بهذه الهيئة وهذا القدر؟

بعد قراءتك لكتاب “حقيقتنا المطلقة”، لم تعد الإجابة غامضة أو مخيفة؛ لقد أدركتَ أخيراً أنك لستَ ريشة تقلبها رياح المصادفة في كون أعمى، بل أنت مقصودٌ بذاتك، ومبرمجٌ بوعيك لتكون جزءاً لا يتجزأ من هذه اللوحة الإبداعية العظيمة. وجودك في هذه البقعة الجغرافية وفي هذا التوقيت بالتحديد هو خطة روحية دقيقة صاغها المصدر الأول لتخوض تجربتك الأرضية الفريدة وتصل إلى كمالك المنشود.

لقد منحك إدريان كوبر خريطة الطريق، وأثبت لك العلم والوعي أن القوة كلها تكمن في داخلك؛ فاخلع عنك وهم الحقيقة المادية الضيقة، وتنفس بعمق، واستمع إلى صوتك الداخلي.. فالحرية الحقيقية تبدأ عندما تدرك موقعك من الوجود، وتتذكر أن مصيرك النهائي هو العودة إلى نبع الخلق الأول، محاطاً بالنور، والسلام، والحب الخالص.

أنت لست مجرد رقم عابر في هذا الكون.. أنت الكون كله في جسد إنسان.


تنويه ومكاشفة أخيرة:

إن ما استعرضتُه لك في هذه المراجعة، وما ورد بين دفتي هذا الكتاب من أفكار وفلسفات، لا يعني أبداً إيماني التام أو تسليمي المطلق بكل ما فيه من تفاصيل أو معتقدات.

“ليس بإنسانٍ مَنْ لم يتوقف لحظة في أثناء عمره الطويل ليسأل نفسه: ما الحكاية بالضبط؟”

إنما هو انعكاسٌ لسؤالٍ قديمٍ متجدد، لطالما شغل بالي وهزّ وجداني: من نحن؟

فالإنسان، منذ بدء الخليقة، في بحثٍ دائمٍ ومستمر عن كل شيء، وفي كل شيء، وحول كل شيء.. نحن كائناتٌ متسائلة، صُنِعنا لكي نتدبر، ونقرأ، ونستكشف؛ كائنٌ لا يكف عن السؤال ولن يتوقف عن الإبحار في عوالم الفكر والروح بحثاً عن الحقيقة.

ولعلَّ أفضل ما يختصر منهجي في هذا الاستعراض الكوني، هي المقولة الخالدة للمفكر والفيلسوف الطبيب د. مصطفى محمود حين قال:

“إنني أقرأ في كل شيء، ولا يعني هذا بالضرورة إيماني بكل ما أقرأ.”

فالقراءة رحلةُ وعي واستكشاف، والبحث عن اليقين هو غاية الوجود البشري الأسمى.


18.07.26
02.32am

أضف تعليق