الشرّ الحقيقي: والتر وايت أم ستيتش..؟!

هناك قاعدة في الوعي الذاتي
تدعوك لتتعرف على نفسك بشكل أكبر.. تُدعى “نافذة جوهاري” (Johari Window)
بأسلوب بسيط تتحدث عن أربع نوافذ يجب أن تعيها عن نفسك لتصل للوعي الذاتي المطلوب.
وجوابك عليها هو ما يحدد مستوى فهمك لذاتك، وتساعدك في تحسين والتقوية في بناء الوعي.
- المنطقة المفتوحة (Open)
أنت تعرفها وهم يعرفونها.. وتعني صفاتك التي تعرفها أنت ويعرفها الآخرون.
2- المنطقة العمياء (Blind)
أنت لا تعرفها وهم يعرفونها.. وتعني الصفات التي يلاحظها الآخرون، ولكنك لا تدركها ويمكن أن تكتشفها من خلال المحادثات والمصارحات مع الآخرين.
3- المنطقة المخفية (Hidden)
أنت تعرفها والآخرين لا يعرفونها. وذلك من خلال التجارب التي مرت فيك، والتي توقع نفسك فيها فتبدأ باكتشافات أكثر عن نفسك (Self-Disclosure)
4- المنطقة المجهولة (Unknown)
أنت لا تعرفها ولا يعرفها الآخرون عنك.. وتتم عبرَ الأشياء الجديدة التي تحاول فيها وترتبط فيها.. عبر تجاربك وغوصك في أشياء جديدة.. فتظهر لك أشياء لم تكن تعلم أنها بداخلك وجزء من شخصيتك..

لنقف قليلاً عند النقطة الرابعة..
المنطقة المجهولة (Unknown Area) لديها القدرة على التغيير الجذري، واكتشاف الإنسان الآخر الكامن فيك.. فليسَ بالضرورة أن تكون هذا أنت – ما أنت عليه الآن-، إنما هناك خلفك أشياء أعمق لم تظهر -أو بالأصح لم يكن لها فرصة لتظهر!
تخيَّـل لو وصلت لمستوى الوعي الذاتي لتكتشف أنكَ لستَ الشخص الطيب الذي أنت عليه الآن، ولست الشخص الذي تعتقد أنه أنت، بل تواجه الحقيقة الكامنة فيك، ويكون الشر متأصل فيك وفي كل دوافعك…!
“الشر يكمن في الإنسان أكثر من كونه في الطبيعة.” (من رواية الأخوة كارامازوف)
دوستوفيسكي
بالنسبة لي حينَ تكتشف هذا الأمر فأنت ستمر خلال مرحلتين، هي الاعتراف بحقيقتك والاستسلام لها، أو تبريرها في دوافعك لتصل إلى نقطة (الغاية تبرر الوسيلة) …!
أبرز مثال يجسد هذا النوع من الوعي الذاتي المظلم:






مسلسل Breaking bad (اختلال ضال)
وهي أكثر حالة ممكن نطرحها في التحوّل المذهل “للشر” القائم على الوعي الذاتي…!
والتر وايت (Walter White)، معلم كيمياء طيب ومضطهد نسبياً، يكتشف أنه مصاب بالسرطان ويقرر إنتاج المخدرات لتأمين مستقبل عائلته (وهذا هو الدافع النبيل الذي وضع نفسه فيه بطريقة جديدة ليكتشف المنطقة المجهولة بداخله ماذا تحمل؟)
عندما تسنى لوالتر تجربة جديدة، بدأت تتكشف له المنطقة الرابعة من النافذة المنطقة المجهولة (Unknown) التي جهلها هو عن نفسه، ويجهلها عنه الآخرون –بطبيعة الحال– لأنه لم يسبق أن مرَّ بشيء مشابه.
وباعتقادي لا يوجد (شرٌ خالص) بل بداية الشرارة هي (الاعتقاد بالدوافع الطيبة)، هي ما تبرر أي عمل شرير بعد ذلك.. لذلك يُنظر لهذا أنَّهُ رجلٌ صالح.
ثم تبدأ مرحلة الوعي تدريجياً ليظهر معها الإحساس بأنَّهُ لم يأخذ حقه من الحياة (الظلم)، فيبدأ بعدها المنطقة المخفية التي تظهر تدريجياً القوة، السيطرة، الغرور (Ego).
وكلما تقدم الوعي الذاتي بوالتر كلما أكتشف الحقيقة المظلمة عن نفسه أكثر.. (بأنه يُحب أن يكونَ شريراً وقوياً ومسيطراً) فتغيَّرت الغاية من (تأمين وضع العائلة) إلى أن أصبح غايته وحدها هي اشباع غروره وقوَّته.
بالنهاية والتر يصل للإدراك الكامل والوعي الذاتي النهائي، وذلك باعترافه لزوجته:
“لم أفعل ذلك من أجل العائلة. فعلته من أجلي. كنت جيداً فيه. وشعرت… أنني حيّ.”

.
.
لو أردنا أن نكشف عن الغرائز الأساسية ومفهوم الشر المتأصل بالنفس البشريَّة؛
لا بد أن يمر بنا أولاً سيغموند فرويد (Sigmund Freud)، ويرى فرويد ذلك شيءٌ حتمي وجوده بالإنسان، وهو ميلٌ فطري وغريزي نحو التدمير، سواءً كان موجهاً للذات (تدمير ذاتي) أو للآخرين (الشر الموجه للخارج)
وأطلق عليه اسم ثاناتوس (Thanatos): غريزة الموت أو العدوانية (Aggression).
وعكسها إيروس (Eros): غريزة الحياة، التي تسعى للحفظ والتكاثر والمتعة. التي هي الأخرى تحكم السلوك البشري أيضاً بدورها.
ثاناتوس (Thanatos): غريزة الموت أو العدوانية (Aggression)، يرى فرويد أن ها أشياء فطرية هي من قبيل تكويننا البشري، وصفات متأصلة فينا.. وما إن يتم كبت جزء كبير من هذه الدوافع (الشر/العدوانية) ويتم تحويلها لأشكال مقبولة اجتماعياً.. فيبدو الوعي الذاتي بها صعباً، لأنَّ ما سمَّاه الأنا العليا (Superego)أو كما نقول نفسنا الداخلية التي تعمل على قمعها، ثم تبدأ تظهر في صور غير واعية بالنسبة لنا (أحلام، زلات لسان، سلوكيات تدمير ذاتي).
إلى أن نصل للمرحلة التي وصل لها والتر للوعي بالشرّ الكامن بنا، والاعتراف به، بل والاستمتاع به!

في مفارقة غريبة..
يمكننا ربط رحلة ستيتش (Stitch) فيلم ديزني الشهير (Lilo & Stitch).. بأنه يمثل السيناريو العكسي تمامًا لرحلة والتر وايت…!!! (رحلة الوعي الذاتي المعاكسة).
إذا كانت رحلة والتر وايت هي “الوعي الذاتي المدمر/الفاسد” (Corruptive Self-Discovery)، فإن رحلة ستيتش هي “الوعي الذاتي الفدائي/المُنقِذ” (Redemptive Self-Discovery).
إن ستيتش أو تجربة 626 هو كائن شرير مُطلق، مُبرمج وراثياً للتدمير (فهو شرٌ ظاهر) على عكس والتر كان الشرّ كامناً ومخفياً في اعماقه. وظاهرياً هو بطل تقليدي خيّر، وزوج مخلص.
بينما ستيتش الخير كامناً ومجهولاً في أعماقه وقدرته على الحُب والولاء والشعور بالانتماء.
تبنى والتر وايت تجاوز القانون، وأختار الشر، وأدرك أنه يستمتع به.
ومن خلال رحلاته ومغامراته والتعرض للتجربة يكتشف مكامنه الخفيَّة ستيتش، ويتعرض أيضاً للحُب اللا مشروط من ليلو و”الأوهانا” العائلة، ويبدأ في اكتشاف قدرته على الخير ويتبناها.. ويستمتع بها هو الآخر.
يكتشف والتر وايت أنه شريرٌ بطبعه، فينبذ قناعه القديم الضعيف.. وبالمقابل يرفض ستيتش برمجته القديمه ويسعى بأن يتبنى الخير..
“إذا لم يكن هناك إله، فكل شيء مباح.” 1(من رواية الأخوة كارامازوف)
دوستوفيسكي
- هذا الاقتباس، الذي قيل على لسان إيڤان كارامازوف، يُعد الأساس الفلسفي لدوستويفسكي عن الخير. بالنسبة له، فإن الخير المطلق مرتبط بالإيمان والاعتراف بوجود قانون أخلاقي . عندما يُنكر هذا القانون، يُصبح الشر (العبث) هو الخيار المنطقي. ↩︎
بالنهاية..
السؤال الذي نبدأ به ننتهي به، الشرّ الحقيقي: والتر وايت أم ستيتش..؟!
هل تصبح شريراً حقيقياً إذا وصلت للوعي الكامن بالشر داخلك ومارسته..؟ أم كان من خلال أصل نشأتك وتكوينك.. فتصبح شريراَ!
أضف تعليق