تَرِكَـة الحيَـاة.

أحَاول أن أَخلقَ لي صوتاً.. صوت من الكتابة!

الحدس الأدبي| نظرية ست درجات من التباعد- Six degrees of separation

بواسطة

بوصة

هل خطر في بالك يوماً أن بينك (أنت) وبين (كريستيانو رونالدو) ستة أشخاص فقط -على الأغلب- حتى تكونوا على معرفة ببعض…!

من جانب آخر، هل تعلم أن “كورونا” من أول شخص أصيب فيه في مدينة ووهان احتاج -على الأغلب- ستة أشخاص فقط ليصل إليك؟

أنت بحاجة إلى خمسة أشخاص كحد أقصى لتعرفهم، ويعرفهم معارفك حتى تصل إلى أي شخص آخر تختاره على وجه الأرض.

“اليوم، أصبح العالم صغيرًا جدًا لدرجة أن سلسلة واحدة من الأصدقاء لا تزيد عن خمسة أشخاص تفصل بينك وبين أي شخص آخر في العالم.”

نقطة من البداية:

هناك مجموعة قصصية قصيرة بعنوان “كل شيء مختلف” (Minden Más). تضمنت هذه المجموعة قصة قصيرة خيالية بعنوان “سلاسل” (Láncolatok). نُشرت في عام 1929.

للكاتب فيرينك كارينثي (Frigyes Karinthy) وهو كاتب وناقد مجري ساخر، عاش بين عامي 1887- 1938.

كتب قصَّة مُلخصها العَـام، تدور في قالب حوار فلسفي وساخر بين مجموعة من الأصدقاء يجلسون في مقهى في بودابست.

ويبدأ النقاش حول مسألة النمو السكاني السريع، وتطور وسائل النقل (القطارات – الطائرات)، وشبكات الاتصالات المتنامية مثل (التلغراف – الهاتف).

حيث يقوم أحد الأشخاص، بطرح فرضيَّة ثورية جديدة يقول:

“اليوم، أصبح العالم صغيرًا جدًا لدرجة أن سلسلة واحدة من الأصدقاء لا تزيد عن خمسة أشخاص تفصل بينك وبين أي شخص آخر في العالم”.

ويتحدى الآخرين بإجراء “تجربة ذهنية” (Thought Experiment)، بحيث يطلب منهم اختيار أيّ شخص عشوائياً على وجه الأرض – سواء عامل فرن في الصين، أو قاطع طريق في البرازيل، أو مثل ما قلت بالبداية كريستيانو رونالدو-.

وهذا الشخص العشوائي بالتأكيد يعرف شخصاً، أو لديه علاقة قريبة، سواءً جغرافياً أو مهنياً. ويكمن الربط بالشخص المقصود -بحد أقصى- خمس حلقات وسيطة – ست درجات..

قدم الكاتب رؤية ساخرة للزمن الحديث تُلخص أنَّ “العَـالم قد تقلص”، ولم تعد المسافات الجغرافية عائق، بل هُناك وحدة بشريَّة حيث “لا يوجد غريب” في النهاية أي شخص يبتعد عنك ست خطوات فقط…!!

.

تخيَّلت هذا التنبؤ المذهل بالواقع.. من كاتب مجري ساخر كتب قصَّته عام 1929.. 

جاء عَـالم النفس الأمريكي ستانلي ميلغرام (Stanley Milgram) في الستينات وقد أحيا هذه الفكرة لفيرينك كارينثي بشكل علمي..

بفرضيَّة تقول: هل يمكن ربط شخصين عشوائيين في مجتمع كبير من خلال سلسلة قصيرة من المعارف الشخصيين؟

وتخيَّل أن نتائج التجربة جاءت ترسخ فعلياً لمصطلح “ست درجات من التباعد” وأنَّ فعلياً الروابط اللازمة لإكمال السلسلة بنجاح تتراوح ما بين 5-6 روابط. ولقد أثبتت فعلياً أن التجربة تربط الأفراد في مجتمع ضخم بسلاسل من المعارف بشكل قصير ومدهش…!

باختصار؛ ماذا تقول النظرية:

هي تقول: أنَّ أيّ شخص على وجه الأرض يكون ذو علاقة مع أيّ انسان آخر على سطح الأرض من خلال سلسلة من الأشخاص لا يزيد عن (5).

فالإنسان بطبيعته يكوّن مجموعة من العلاقات مع أشخاص آخرين وأولئك الأشخاص يكوّنون علاقات أخرى.. الأمر الذي يؤدي لتكون شبكة من العلاقات تشمل – حسب النظرية- جميع من على سطح المعمورة…!

الأمر يعمل كسلسلة:

أنت (الدرجة 0) — صديقك المباشر الذي يعرفه (الدرجة 1) — صديق صديقك (الدرجة 2) — صديق صديق صديقك (الدرجة 3) — وهكذا حتى تصل للشخص المستهدف في (الدرجة 6).


ملخص سريع لتجربة ستانلي ميلغرام (Stanley Milgram):

اعطى مليغرام حزمة من الرسائل لأشخاص عشوائيين في نبراسكا، وطلب منهم إيصال الرسالة للشخص المستهدف في بوسطن -يملك معلومات عنه مثل اسمه ومهنته-، ولكن الشرط الأساسي أنه يجب عليهم إرسالها فقط إلى شخص يعرفونه شخصياً ويعتقدون أنه أقرب شخص للشخص المستهدف.

حين تتبع ميلغرام عدد الوسطاء أو (القفزات) التي استغرقتها الرسائل لتصل بنجاح.. وجد أنَّ متوسط عدد الوسطاء اللازم لإيصال الرسالة كان حوالي ستة أشخاص…!!


هذه النظرية كتبها فيرينك كارينثي عام 1929،
ثم أجرى عليها دراسته الأمريكي ستانلي ميلغرام (Stanley Milgram) في أواخر الستينيات 1967.
لكن ماذا عن الآن في عام 2025؟

.

تخيَّل معي.. في عام 2016 أجرت فيسبوك (Meta) تحليل ضخم لشبكتها الاجتماعية، بتحليل بيانات 1.6 مليار مستخدم نشط. فقاموا بقياس متوسط عدد الروابط (الأشخاص الوسطاء) اللازمة لربط أي شخصين عشوائيين على الشبكة.

المفاجأة أنَّ الدرجات تقلصت في عصر فيسبوك لينخفض المتوسط إلى 3.57 درجة…!!

شبكة العالم الصغير Small World Network:

تساعد هذه النظرية في بناء خوارزميات فعَّـالة للبحث وتوصيل المعلومات بسرعة فائقة.

وذلك يرجعنا لأول سؤال 

أن النظريَّة هذه

من جانب آخر،استغرق “كورونا” من أول شخص أصيب فيه احتاج -على الأغلب- ستة أشخاص فقط ليصل إليك.

يمكننا القول بثقة: من المرجح جدًا أن تكون سلسلة العدوى التي ربطتك بأول حالة كورونا في العالم لا تزيد عن ستة أشخاص.

وهذا ما جعل المسار في انتشاره قصير وسريع للغاية، ليتحول لعدوى عالمية في غضون أسابيع!!

وأيضاً من جانب تسويقي،

أنت لا تحتاج أن تصل لكل الناس، ذلك يجعل الأشخاص أصحاب “العُقد المركزية” (المؤثرين – الاجتماعيين) الذين يملكون عدد معارف كبير هم من تحتاج الوصول إليهم في التسويق، وهو ما يجعل ما تريد تسويقه ينتشر ذاتياً بين الناس…!

في النهايـة..

فإنَّ مفهوم أدبي ساخر.. تحوَّل إلى أداة تحليليَّة قويَّة تُساعد في إدارة العَـالم في نقل البيانات أو وقف الأمراض أو حتى نشر فكرة..


أضف تعليق