(مسرحية) طواف عقل..! “مونودراما“.
ملخص القصَّة: رجلٌ يعاني من (الذهان الوجيز)1 يمشي في طُرقاتٍ مظلمة والتي تبدو بأنها مهجورة، فيجلسُ على كُرسي منتصبٍ من خلفهِ نافذَة نصفِ مفتوحة، وما بداخلها مُظلمٌ لا يُرى. يبدأ في الحديثِ مع الشخصِ الموجودِ بداخلِ النافذة، فنكتشفُ عمّا يحملهُ عقله.
بأنَّه رجلٌ اودعَ في المصحّ النفسي إثرَ تأثرِه بحريقٍ نتجَ عنه فقدَ والديه، واحتراقَ منزله وخلَّفَ آثاره عليه، ومع خروجهِ منه بتأثرٍ بسيط صارَ يحملُ الظنَّ الكامل بأنَّه عصيٌّ على الاحتراق.
سمة الشخصية: رجلٌ في بداية عشريناته من العُمر، ليسَ وسيمَ المُحيَّا بالقدرِ المطلوب، ويحملُ وجهه آثارَاً للندوب قديمة، غيرَ أن واحداً يبدو جديداً وغائراً يمتدُّ من منتصفِ حاجبهِ مروراً بعينه اليُسرى وينتهي في منتصفِ وجنته. تاركاً أثراً قوياً على عينه ونظرتها في نصفِ اغماضه. كما وآثارُ حروقٍ متفرقة على أصابعه.
كثيرُ الحركة، عدوانيّ، ومرتبك، يتداخلُ في رأسهِ الواقعَ والخيال، كما يتحدث في ذاتِ اللحظة باقتناعٍ وواقعيّة.
كلامه غيرَ مترابط. لديه اضطراب عاطفي شديد إذ ينتقلُ بينَ البكاء إلى الضحك الهستيري بسرعة شديدة. كما ويواجهه خوفٌ مفاجئ.
يجيدُ التمثيلَ الإيمائي يمثلُ أحياناً بينما هو يتحدث وكأنَّ جسده يتحدثُ معه.
برغمِ أنَّه ليسَ وسيمَ المُحيَّا إلَّا أنَّ لبسهُ لائقاً ولا يبدو عليه كل تلكَ الحرائق التي تضطرم بداخله، يرتدي سُترة من المخمل الأسود وقميصٌ بداخلها أبيض كأنَّه خارجٌ من حفلة.
(يُظلم المسرح2، تُسلطُ الإضاءة على الكرسيّ الموازي للنافذة النصفِ مفتوحة 3، فيبدو ككرسيٌّ للملوك4 لا يتناسب مع الطريقِ المهجور الذي يمشي فيه.)
(تدخلِ الشخصيَّة وهيَ تمشي بوقارٍ واتزان، لا يبدو عليها شيئاً مما يعتملُ في عقله، ممسكاً بكتاب (الغريب)5.
يتجه إلى الكُرسيّ ويجلس عليه ولا يرى الجمهور منه سوى ظهره. يفتحُ الكتاب من بداية صفحاته ويقرأ في همهمة غير مفهومة).
(صوتُ وقعِ أقدامٍ خفيضٍ ويقترب)
(يُغلقُ الكتاب. يبدأ يصيخُ السمع ويميلُ بجسمهِ نحوَ النافذة. ثم ترتسمُ ابتسامةٌ على شفتيه وكأنَّهُ عثرَ على شيء ذو اهميَّة كُبرى)
(يقرأ بصوتٍ مسموع وهو لا يزالُ يميلُ بجسمهِ للنافذة ويشدّد على الكلمات كي تصلَ لأذنِ من بداخلِ الظلام):
- “في باريس يبقى الناسُ معَ الميّتِ ثلاثَة أيامٍ أو أربعة أحياناً، أمَّا هُنا، فلا وقتَ لديهم لأنهم لم يُخلقوا لفكرَة أنَّهُ يجب أن يركضوا خلفَ مركبةِ الموتى“5
(يُغلقُ الكتاب. يُلقي به داخلَ النافذَة. يقومُ من مكانه ويواجهُ الجمهور. ويُعلّق):
- لا لوم. الناسُ في هذهِ الدنيا ستسيرُ كالرياح فلا تتوقف من أجلِ شيء. أليسَ العالمُ يسير لا لكي يتوقفَ عند أحد. والعالمينَ لا يتوقفونَ ويستقرون. إنما هم في بحثٍ دائمٍ عن متعهم الخالصَة. يكمنُ استقرارُ العالم في عيونهم حينَ يبدونَ مستمتعين. ألا يعتدُّ معظم الناسِ بالنهاياتِ السعيدة فقط! ولكن.. لكن هل رأيتَ بعينيكَ نهاية سعيدَةً قط!
(ينفجرُ غاضباً): العالم كاملاً لا يحكم سوى على ما يراه، كحكمهم على باريس!
(يعيدُ ترتيبَ معطفه باتزان) يجب أن يكونَ مظهركَ لائقاً لتكونَ لائقاً بالحياة وإلَّا من الأولى لكَ أن تركن بجانبِ القُمامة، تبقى مهملاً لأنكَ لم تعرف كيف تجاري المُتعة!
(يسكتُ قليلاً كمن يستمعُ لأحد، ثُم يبرر): حسناً ليسَ بهذا المنطقِ الصارخ، إنما أخبرني ما هو الإنسان؟ لا. ما هو الإنسانُ في الإنسان! أليسَ هو كل ذلكَ الشعورَ! ألسنا نتميّزُ عن جارنا الحيوان بالمنطق، وبالبحثِ عن الجمال؟ لم أرَ في حياتي قرداً يقتني أزهى الطيورَ ليستمتعَ بها! أو أن تُقيمَ الفيلَة مسابقاتٍ لملكاتِ الجمال لديهم، أو أن تقومَ التماسيحُ بشراء الحقائب من جلود بني الإنسان، أو أن تقومَ الجِمال بشراء التُحف الباهظة لمجرد أن تركنها في مكانٍ ما وتتأملها.
لا يفعلُ ذلكَ سوى الإنسان! وهذا الإنسانُ في الإنسان ألا توافقني؟!
(يعودُ لمكانه، يُحركُ الكرسيَّ في مواجهة الجمهور، وما إن يجلس عليه ويستعيدَ اتزانه، ويصلَ للراحة)
- الندبُ الجديدُ في وجهي؟ آه هذا! ألم أخبركَ عنه؟ لقد نَبتَ هذا الندبُ6 من جرَّاء الرفض!
ما هو منطقُ الحياة في أن تُظهرَ كل شعورٍ مؤلم بادياً على وجهكَ كإعلان! ألا يمكن أن نُخفي شيئاً عن هذا العالم! لماذا على كل شيء أن يبدو مُذاعاً.
بالمناسبة، هل تعرفُ ما هو شعور الرفض!
(كمن يمسحُ شيئاً لا يُريدهُ أن يمرَّ أمامه، ويحرك رأسهُ بقوة، ويتحدث كالمخبول):
- لقد كانت آيةٍ للتسبيح. (وبصوتٍ عالٍ، وحركة صوفيَّة يميلُ بجسده) سُبحانَ الخلَّاق، سُبحانَ الخلَّاق!
(يُكمل) غيمةٌ تحملُ مطراً ورحمات ومالا تتخيّل! عينانِ يغوصُ فيهما الفضاءُ بأقمارهِ ومجراته وكواكبه. وأنا لا حيلَة لي سوى الكلمات (يُشيرُ لوجهه، وبقلَّة حيلة وسُخرية) وهل أملكُ غيرها! طبعاً الكلماتُ لا توكل عيش، ولن تتذكرها حينَ تستيقظُ من نومها وترى هذا الوجه مستلقياً بجانبها! سيغطُّ على قلبها (وبصوتٍ خفيض) الله يلعن الكتب فما احتمالنا إلّا بها وما حيلتنا إلّا هي.
لقد لمحتني الفتاة من بعيدٍ وولت هاربة ولم تعقّب. فخرجَ هذا الجُرح كما ترى.
لا. لستُ في معرض للحزن. هيَ من خسرت كلماتي وقصائدي، ماذا يفيدها وجهٌ حسنٌ ويفتقرُ للغة! (بسخرية).
(يصمتُ قليلاً كأنَّه يستمعُ لما يقوله من بداخلِ النافذة. يجيبُ بتوتر):
- ماذا هل أنا مُستاء! حسناً لا يمكنني المراوغةُ معك. لكن لا يمكنني القولَ بأنَّ ما أشعرُ به هو نوعٌ من الإساءة بقدرِ ما هو غضبٌ حارق.
لماذا على الحياة أن تبدو بهذا الوضوح في شعورنا، ألا يمكننا أن نحتفظَ بالجزء السيء وندّعي عكسَ ذلك. ألا يمكن أن نخفيها بدلاً من أن تفيضَ كجروحٍ ناطقةٍ عنّا! لماذا تفرضُ علينا هذه البشاعة التي لا يمكن فيها لأحدٍ بأن يتدخلَ ويسويّ هذه المسألة!
(يُظلم المسرح.
ثُم يُسلطُ الضوء عليه وهو يجلسُ القُرفصاء على يسارِ المسرح، ويشعلُ عودَ ثقابٍ ويطفئه)
- (يُشعلُ الثقاب): سيقتلكَ الألم.
(ينفخُ عليه): ستعتادُ عليه.
(يُكررها أكثرَ من مرَّة وهو يفكر)
(يُهمهم بينهُ وبينَ نفسه):
- ماذا سيحدث لو أنَّ كلَّ قبيحٍ تحولَ إلى رماد؟
(يرسمُ خطاً مستقيماً على الأرض بعودِ الثقاب): أنا أحاولُ بأن أصوغَ للحياةِ منطقٌ مُنظم، لا يُمكن أن تُترَكَ مع الاحتمالات.. الكثيرُ من الاحتمالات! يجب أن نقلل الاحتمالات!
(يفزُّ من مكانه كمن يستجيبُ لنداء أحد).
(يجيبُ في جذل):
- الألم.. جزءٌ من رحلة المُتعة (يضعُ سيجاراً بينَ شفتيه ثم يُشعلُ عودَ الثقاب، ويطفئهُ بينَ اصبعيه. ينفخُ الدُخانَ وهو يضحك)
(يُفخم صوتهُ كمن يُلقي خُطبة) إنّها المُتعة.. المُتعة الخالصَة! عِيشْ المُتعة.
(يشير للثقاب) تَعلم أنها ستحترق وسَتُحرقُ كل ما حولك.. وستحترقُ أنتَ بها.
(يتذكرُ شيئاً، وبنفيٍّ قاطع) لا.. لا.. أنا لا أحترق، أنا نتيجة للاحتراق.
(يَنزعُ معطفه، ويقلبهُ ثم يعيدُ لبسهُ من جديد ليظهرَ من الداخلِ ممزقاً نتيجةَ الحروق)
(ينفثُ دُخانَ سيجارته، ويشيرُ بيديهِ في إيماءةٍ بشكلِ دُخان)
- إنَّها المُتعة القاتلة، تُصبحُ فيها كالمدمنِ وتتلذذ بها كُلما غدت أقوى. ثُمَ تعيشُ بعدها الندم (يعبسُ بوجهه وشفتيه كالمهرج) إلى أن… (ويُفرجُ عن ابتسامة فَرِحة) تعتاد.. أو تتبلد.
المُتعة يا رجل مُصاحبةٌ للشعورِ بالخوف وهما كالرجلِ الذي تتوسعُ معدته باستمرار، وسيرغب بالمزيدِ من اللذَّة.
(يعودُ لصوته الطبيعي، مُبرراً):
- كانَ بالإمكانِ تجنبَ كُلِ هذا القُبح، بألَّا يوجدَ أصلاً. وأن يكونَ ما عداهُ جميلاً.
ألا يُمكننا أن نكونَ في المُنتصف. بينَ الجمالِ والمنتصفِ فقط!
يجب أن تكونَ خياراتكَ محدودَة بأن تنحازَ للجمال أو الرماديّ!
الجمال.. ومتعتهُ الخالصَة! ونصيّر كل الأشياءِ القبيحةِ إلى رماد (ويشير بيديه كمن ينثرُ رماداً).
هل جربتَ طعمَ الرماديّ؟ حيثُ تكمنُ هناكَ … “لا تعليق” (يقولها بصوتٍ مُفخم)
(يكمل) حيثُ لا تَعلّق. لا حُب. لا كُره. لا إخفاق. لا بؤس. للرماديّ طعمٌ ستعتادُ عليه ثم تدمنُه. أن تكونَ واقفاً على حافةِ الأشياء لستَ من الفاضلينَ ولا الضالينَ غيرِ المغضوبِ عليهم.
(يقفُ في منتصفِ المسرح يفردُ ذراعيه ويبدأ في رقصَة كرقصَة “زوربا اليوناني”7. يضعُ قدمهُ اليُسرى أمامَ اليُمنى في حركةٍ تبادليَّة، ثُمَ قدمهُ اليُمنى أمامَ اليُسرى مع موسيقى تبعثُ الشعورَ بالفرح)
(تُقطعُ الموسيقى في مُنتصفها، ويوقف رقصتهُ مذهولاً وقدمهُ معلقةً في الهواء، يلتفتُ على النافذَة بنفاذِ صبر):
- لا تُحدثني عن الضِّفةِ الأخرى من الأشياء، إنها لن تكترثَ لأحدٍ يتحدثُ عنها. إنَّها تُدركُ جيّداً عن ماهيّتها لذلكَ هيَ لا تجرؤ على اتخادِ موقفٍ ما، هيَ مُستسلمة لقدرها.
فماذا لو أننا أخذنا نِصفُ دجاجةٍ ونِصفُ بطَّة وخيّطناهما معاً، ثُمَّ طبخناهما في قِدرٍ واحد -وهو بالمناسبة طبقٌ يُقدمُ في أحدِ مطاعمِ باريس الشهيرة- من يُمكنهُ أن يتخيلَ مقدارَ الألمِ غيركَ أنت! ومن يُمكنهُ الاعتراضَ بالنيابةِ عن الدجاجة التي بالمناسبةٍ أيضاً لم تعُد تشعرُ باعتراضكَ على بشاعة الطبق!
فلنفترض جدلاً أنكَ استنفرتَ بكل ما فيكَ واعترضت. هل يمكنكَ أن تضمنَ ولاء الدجاجة لك! أو امتنانها الجزيلِ على عظيمِ اعتراضك!
(يمشي وهو يضعُ اصبعهُ على صِدغهِ ويفكر، ثُم يقول):
- حسناً، سترى أنَّ كُلَ ما يُهم في هذه المسألة ضميرك. بغضِ النظر عن فِكرة الدجاجة عن نفسها!
(بحماسة) لكنهُ في الحقيقة يدورُ حولَ أنَّها تحولت لمخلوقِ جديد بشِع! ولو أنَّه كانَ جميلَ الهيئة لما كانَ اعتراضك بالأساس. (وباستخفاف) ورغمَ بشاعة منظره لكنَّه قابلٌ للتلذذ! يجب أن تكونَ ممتنَّة لأنها تحولت (وبإيماءة من يديه يشيرُ للدخان) ولم تبقَ هكذا!
(يستمعُ باهتمامٍ، ثُم يجيب):
- نعم من أجلِ المُتعة! الحياةُ كلها تدور من أجلِ المُتعة يا صاح!
أليسَ العالم بأكملهِ يفعلُ ذلك، ومن أجلِ هذا الشعور!
(يعودُ ليستمع من الآخر، ويجيبه بغضب):
- الآخر. الآخرينَ. الجانبُ الآخر… لا يوجدُ آخر! ثُمَّ ما هذهِ الحاجةُ المُلحَّة للآخر أو الآخرين! ما الذي سيتغير بداخلنا لو كسبتَ ولائهم؟
ستحزنُ أكثرَ على الدجاجة. لو قدَمت لكَ الحُب. ستموتُ وراءها يا غبيّ!
ألم تولد وحيداً؟ ثم ستتحول بينَ ليلة وضحاها إلى دُخان.. وسترتقي للسماء.. لحيثُ تنتمي.
لم تكن أصلاً مصمماً لتنتمي. بل لتطيرَ عالياً (يفردُ ذراعيه ويدورُ حولَ نفسه)
لماذا هذا الإلحاحُ بالشعورِ بالالتزامِ بضرورَة تواجدك في مكانٍ ما، واتخاذكَ لصفٍ ما؟ لماذا عليكَ أن تأخذَ صفَّ الدجاجة في حينِ عليكَ تذوق الطبق! لماذا تريد أن تشعرَ بندم الدجاجة لأنها ولدت دجاجة!
(يُظلم المسرح. يعودُ ليُسلط الضوء عليه من جديد في يمينِ المسرح)
(يُنادي):
- يا مُبعد.. تعالَ هُنا وقف بجانبي. فما أعجب هذا اليوم! لم نلتقِ منذُ زمن!
هل جربتَ الوقوفَ على حافةِ الموت؟!!
(يقفزُ ويقفُ على حافَّة الكُرسي، وعيناهُ تبدوانِ مُجهدة. كمن يُجبرُ نفسهُ على فتحهما.
ينظرُ طويلاً وكأنَّهُ يرَى ما لا يُرى…!
يقفُ على أطرافِ أصابعه، ويفتحُ ذراعيه وجسدهُ يتأرجح.. يُكملُ حديثه قائلاً):
- ألَّا تتذوقَ الجمرَة.. بل تبتلعهــــــا! أن تموتَ قليلاً.
(يُضاء المسرح باللونِ الأحمر، موسيقى تتعالى في توتر. ويذرعُ هوَ المكانَ في جيئة وذهابٍ خائفاً من اندلاعِ الحريق.. الدُخانُ يعمُّ المكان)
(يتمدّدُ في الجهة اليُسرى من المسرح كالجثَّة الهامدة)
- (بصوتٍ خافتٌ مسلوبٌ منهُ الحياة، وهو يسعلُ من جرَّاء الدُخانِ المحشورِ في حلقه.. بصوتِ الأب): الحريق.. هل أنتم بخير!
(يقفزُ للجهة اليُمنى من خلفِ الكُرسي وهو يجلسُ القُرفصاء وقد وضعَ يدهُ تلقائياً على فمهِ ليسدَّ دخولُ الدُخان.. وبصوتِ الأم): لا أعلمُ أينَ أبني؟ … أبني..
(ينتقلُ من جديد لزاوية الأب ويتمدد): خذي ابننا واخرجي.. يجبُ أن تخرجوا من هنا. لا أعتقدُ أني ناجٍ.. انجي بنفسكِ.. وابننا.
(يذرعُ سريعاً لزاوية الأم من جديد، وبخوفٌ شديد): لقد اختفى.. أني لا أراه! مات! لقد ابتلعهُ الحريق!
(الموسيقى تتعالى ممزوجةٌ بصوتِ بكاءِ طفل)
(يقومُ بتبخترٍ ويمشي بهدوء كمن يتقدمُ ليحصلَ على جائزَة! يقفُ في مُنتصفِ المسرح ويصرخ)
- أنا العصيُّ، العصيُّ على النيران!
(يُشعلُ عود الثقاب ويطفئهُ): الدُخانُ ينتمي للنار.. لا يُمكنُ للدخانِ الاحتراق.. يرتفعُ للسماء. لحيثُ ينتمي (ويشيرُ بيديه).
(يجهشُ فجأة بالبكاء.. ثُم يتكومُ على نفسه).
- أنتَ تشعرُ بالذنب.. تشعرُ بالوحدة! أنتَ خائف! (يقولها بصوتٍ خفيضٍ لنفسه)
(يردُّ بحزم): لا. لا يمكنكَ الجزمَ بأنَّ ما أشعرُ بهِ هو الوحدة! ولا تستطيعُ الجزم أيضاً بأنَّ العالمَ بكاملهِ لا يشعُرُ بالوحدة. برغمِ وجودهم مع بعضهم لا يمكنكَ أن تتبيّنَ لو أنَّ أحدهما أحسَّ بالوحدة. ولا يمكنكَ أن تُبرهنَ بأنَّ هذا الشعورَ ليسَ نزعةً منَّا ولا يمكننا التخلصُ منه. وبما أنَّ لا بُرهانَ على ذلك فالجميعُ خائفٌ ويشعرُ بالوحدة والذنب! والجميعُ يهربُ بالجميع!
(يعودُ ليجلسَ.. ويُفكر):
- أتذكرُّ الرجلَ العجوزَ وهوَ يقولُ بأنَّ الحياة ليست بهذه البساطة، وبأنَّه لا يمكنكَ تقليلُ الاحتمالات وتقسيمُ الأمور لصنفين!
(يقومُ من مكانه، يحني ظهره كرجلٍ عجوزٍ بحركاتهِ وصوته):
- إنكَ لمريضٌ يا بُنيّ، والمرضُ يستشري بعقلك. والمرضُ بالعقلِ لهوَ اختبارٌ عسير.. أنتَ مريضٌ بشدَّة. لكن لا يزالُ هُناكَ أملٌ بك في شفائك.. إنَّ روحكَ طيبة لم يُفسدها فسادَ عقلكَ بعد. يُمكنهُ أن ينصلحَ حالك.. سنُكثفُ الدُعاءَ لك.. وسأدعو ألَّا تموتَ وحيداً!
(يعتدلُ في وقفته، وينفجرَ غاضباً):
- لا يُمكنهُ وصفي بالمريضِ في عقلي!
(يُشعلُ عودَ ثقاب ويُطفئه، وهو يضحكُ وتلتمعُ عيناه بخبث):
- لا يمكنهُ قولُ مريضٍ.. لمريض!
(يلتفتُ للنافذة):
- حتى أنتَ ألم تخترِ الظلامَ والوحدة لمتعة أن تهمسَ لي بأنّ أجعلَ العالمَ يبدو جميلاً.. أو رماداً! ألم تجعلني أرى الدُخانَ يرتفعُ من الرجلِ العجوز!
(يُخرجُ حبلاً من جيبِ سترته، يقيّد بهِ يديه يمشي كالمُقادِ به وهو يقولُ بصوتٍ وقور):
- لا تخف ستذهب معنا، ستعودَ صحيحاً كما كنت. ستذهبُ كل هذهِ الرؤى والأصوات.
(يلتفتُ للنافذة وهو في سيره): يقصدكَ أنت.. ستختفي (بسخرية) أكثر مما أنت مُختفي!
(يجلسُ على الكُرسي والقيدُ في يديه.. محنيَّ الرأسِ باستسلام):
- ستختفي.. كالدُخان.
(تمتدُّ يداً من النافذة وتُسقطُ كتابُ “الغريب” فيقع بجانب قدميه.. يقرأ العنوانَ بهمس..
يرفعُ رأسهُ في ابتسامةٍ عذبة.. وتنزلُ من خلفها دمعة).
(أصواتُ أناسٍ متداخلة فزعة وتركض. وصوتِ اسعافٍ في الخلفية)!!
النهاية…
الهامش:
- الذهان الوجيز يشابهُ في اعراضهِ اعراضَ الفصام، لكنه يكون أكثرَ كثافة.
ويأتي بطريقة تُسمى “انفجارية”. بحيث تسارع الأعراض وتلاحقها. فما يكون من اعراضِ الفصام على مدارِ شهور نراهُ في أيامٍ قلية مع الذهان. ويأتي فجأة ويختفي فجأة كما جاء. ↩︎ - المسرحُ المظلم وبهِ كرسيٌ واحدٌ والإضاءة مُسلطة عليه في إشارة إلى أنَّ كل ما يحدث إنما هو في داخل عقله المظلم. ↩︎
- الكرسي في مواجهة مع النافذَة، إشارة إلى هُناكَ نافذة في عقلنا لعقلنا المُظلم. ↩︎
- إشَارة إلى أنَّه سيرتاحُ في هذا المكان ليبدأ رحلة هذيانه. ↩︎
- رواية الغريب. للأديب الفرنسيّ ألبير كامو. صدرت عام 1942 ↩︎
- اقتباسٌ حرفيّ من رواية الغريب ص14 ↩︎
- في إشَارة إلى التضارب في بحثهِ عن الجمال والمتعة من الجمال، وبينَ كلِّ ألمٍ يُلمّ بهِ يتحول لندوبٍ ظاهرَة على جسده! ↩︎
- رواية كُتبت من قبل الأديب والفيلسوف اليوناني نيكوس كازانتزاكيس ↩︎
أضف تعليق