تَرِكَـة الحيَـاة.

أحَاول أن أَخلقَ لي صوتاً.. صوت من الكتابة!

الجمَال سينقذُ العَالم!- (Beauty will save the world)

بواسطة

بوصة

«الجمال نوع من العبقرية، بل هو حقاً أرقى من العبقرية، إنه لا يحتاج إلى تفسير، فهو من بين الحقائق العظيمة في هذا العالم، إنه مثل شروق الشمس، أو انعكاس صدفة فضيَّة نسميها القمر على صفحة المياة المظلمة».

أوسكار وايلد – “صورة دوريان غراي”.

قرأت ذاتَ مرة مقال عن (رؤى ديستويفسكي الجمالية).. في مقولته الشهيرة «الجمال سينقذ العالم». وهذه المقولة التي تُنسب إلى شخصيَّة الأمير “ميشكين” في رواية “الأبله” (The Idiot) للأديب الروسي فيودور دوستويفسكي.. (Beauty will save the world).

يبدو لوهلة بأنَّ المقصود بسيط من هذه المقولة، وأنها تبدو كتعبير جمالي، إلى أن نفهم سياقها في فلسفة دوستويفسكي المعقدة، وهذا ما يأخذنا لرحلة في مفهومة العميق للجمال، والذي يغوص بنا بعيداً عن الجمال الشكلي والسطح، إلى الأعماق الروحيَّة، وهذا ما دفعه للإيمان بأنَّ العالم سيُنقذ من خلال هذا الجمال.

في فلسفَــــة الجمال..

في روايات دوستوفيسكي غالباً ما يصنع التباين الفاضح ما بينَ جمال الروح والأخلاق والجمال الشكلي، فهو يسعى بالكثير من فلسفته بأن يجعل من الجمال ليس مجرد شكل خارجي مذهل (مثل ناستاسيا فيليبوفنا) الفاسدة روحياً، لأنه على حدّ زعمه ربما يكون الجمال الخارجي وحده يبدو كقوة شيطانية، أو جمالٌ مدمّر -غالباً ما تذهب شخصياته لنهاية الجنون والتدمير الذاتي والهوس أو الفناء- .. إنما كالأمير (ميشكين) فقد لا يكون ذو مظهرٍ مثالي، لكنه يتمتع بالصفاء الروحي النادر.

ربما يتعمق دوستوفيسكي ليصل إلى التطرف الذي يمثله الجمال –الاخلاقي– للبراءة حدّ السذاجة، والطيبة المطلقة، لكنه يرى أنها هي القوة الحقيقية التي تنقذ العَـالم.. أردنا مقاربتها كتشبيهها (بالمسيح) الذي أعطى أعلى مراحل الرحمة والشفقة والتعاطف بطريقة غير مشروطة.

فهو يقصد بالجمال الذي يُغيّر العالم هو جمال الروح التي لا تسعى لمصلحة ذاتية، ومستعدة للتضحية بنفسها من أجل الآخر، فالجمال المطلق بالنسبة له هو عندما تتسامى الروح فوق كل صفة دنيئة، ويكون وجودها اليومي هو القيمة الحقيقيَّة وسط كل الخطايا والمعاناة الإنسانية المتأصلة.

باختصار هو يرى الجمَـال يكمن في المحبة والإيمان والتضحية وحُب الأرض والنَـاس والسعي في التضحية من أجلهم.

أول مرَّة شاهدت فيها هذه المقولة كانت في مسلسل (Rectify)

شاهدتها قبل حتى قرائتي للرواية، وربما هذه من أكثر الأسباب التي دعتني لأقرأها، فتجد حينها أن شخصيَّة الأمير “ميشكين” في الأبلة و”دانيال” في المسلسل يتقاطعانِ في المحبة والطُهر والنُبل الذي يُشابهُ كثيراً القديسينَ. كما عانى الإثنين من اضطهادِ المجتمع.

إنَّ إيمان دوستويفسكي بالجمَالِ وقوَّته واضح وبأنَّه يُمكن أن يغيَّرَ العالَم. وهذا ظاهِرٌ جليَّاً في روايته. 

كما يودُّ لو أنَّه يبني هذا العالم على أُسس جماليَّة كما في مقولته: “إنَّ جمالاً كهذا الجمال لهُ قوة، إنَّ جمالاً كهذا يُمكن أن يقلبَ العالم!“.

الجمال ضرورة لإنقاذ العَـالم؟

لو أردت أن أتعمق في هذا الموضوع، فهناك العديد من النظريات والفلسفات التي تربط ما بين (الجمال وَالأخلاق)

وذلك من خلال القيَـم الكُبرى في الفلسفة: (الحـق – الخيـر – الجمال).

لو أردت أن أترك كل التعريفات والمداخل، لنبدأ بأهم الأشياء وهي التي تقول: أنَّ “الجمَـال” هو شيء يتجاوز الأختيار أو المنافع الحسيَّة وخالي من الدوافع الشخصيَّة، يتجاوز العقل في الإختيار فينبع من الحريَّة المطلقة.

بمعنى أن استمتاعك بالأشياء الجميلة لا تعني أبداً حصولك على منفعة منها، أو أن تفرض عليك هذه الغرائز طريقة الإستمتاع. فالقيمة الوحيدة هي قيمته الجمالية لا يحتاج لغاية أو رسالة خارج إطار “الجمال”. ومن هُنا تَنبُع فكرة متكررة عبرَ التاريخ في الفلسفة القائلة بأنَّ الجمال قد يكون حافزاً ضرورياً للخير الأخلاقي، وأنَّ الخيرَ بحد ذاته هو حقيقة جماليَّة، وهذا الجوهر المقصود. فأنتَ تعمل الخير كلذَّة في عمل الخير خالي من أيَّة مصالح أو منافع.

ومن هُنا ننطلق بمبدأ؛ أن الجميل هو رمز للخير الأخلاقي، وهو بداية لصناعة أي انسان أخلاقي عبر التربية والتهذيب، إلى أن يصل إلى أن يصبح كالإنسان الموجود في رواية دوستويفسكي؛ (كحالة نهائية للكمَـال الروحي التي يسعى إليها العالم).

في النهاية..

ماذا لو قُلنَـا أنَّ التعرض الدائم للجمَـال هو ما جعل هذا الإنسان الخيّر لا يعرف شيئاً حيالَ الجانب الآخر، وهو ما يعني بالضرورة أنَّ ما دفعه لامتناعه عن الشر ليسَ كونه اختياراً؟!


أضف تعليق