تَرِكَـة الحيَـاة.

أحَاول أن أَخلقَ لي صوتاً.. صوت من الكتابة!

قُربان للفرح

بواسطة

بوصة

ـــــــــــــــ

06.02.20

في مدينةٍ ابتلعت سماءُها شمسَها، وأقسمت ألا تظهرَ فيها للناسِ ثانيةً، ما داموا لا يعرفونَ لها قيمةً، ولا كيفَ يحيَون تحتها شاكرينَ لمسَّ وجوههم بخيوطها كلَّ نهار.

وكمَا تُمسكُ السمَاء قَطْرَها، وتأكلُ الأرضُ نبتها، فتُمسكُ عن عطائها، كذلك أمسكت وجوههم عن بسماتهم، فأصبحوا فيها وجوهاً عابسةً قَمْطَرِيراً. بأرواحٍ خاويةٍ وكالحةٍ، يُرهقها الهَوان. يبدون كالمُدَنَّسينَ بالطينِ والقذَارة.

عيونهم سجنٌ لدموعهم، ووجوههم يلفحُها البؤسُ والعبوس. لو رأيتهم لَوَلَّيتَ منهم فراراً ولَمُلِئتَ منهم رُعباً.

تحوَّلت لمدينَة يكرهها النُّور، كمَا ضلَّت البسمَة الطَريقَ إليها.

فخَرجَ النَّاسُ جَوعى يتسولونَ الفَرَح، يُقدمونَ القرابينَ ويضرَعونَ، يَتقدمهم أطفالهم لعلَّ السماء ومن فيها تنظرُ لهم بنظرَة عطفٍ وتَرِقُّ لحالهم. يستسقونها بأن تُخرجَ الشمسَ من مخبئها، فتُظهرُ معها ضحكاتهم المَنسيَّة، ويتركهم بعدها هُزالهم الروحي.

مَشَت بينَ جموع البائسينَ والباكينَ بلا دمعات، والأرواح الحيَّة بلا حيَاة.

تمشي نقيَّة كقطرة مطر، وتتركُ أثراً بينهم مما يتركهُ العِطر.

طفقت في البلادِ تتلقفُ أحزانهم، وتُخبئها في قلبها لعلَّ الشمسَ تَخرجُ بعدها من منبتها. راحت تزرعُ ابتسامتها عن وجهها البدريّ، كما يُنتزَعُ الجلدُ بقسوة من حولِ الظفر. تعلَمُ يقيناً بأنَّ الأمرَ مؤلمٌ، لكنها تفعلهُ.

تُمسكُ طرفَ شفتها وتشَدُّها بقسوة، فَتَطِيشُ دماً تتجاهله. وتُلصقها على فاهٍ حزينٍ يتباكى لأنَّه عجزَ عن البُكاء.

تطوفُ بينَ الأفواهِ الجائعة للبسمات، والأرواح الضَامرة بشدَّة. تنزَعُ بسماتها وتُلصقها على الوجوه البائسة.

حتى بات يَفرُغُ دمُها، وأوشكت أن تنتهي ابتساماتها. وباتت تَفرُغُ من كلِّ شيء أحبتهُ يوماً وأحبَّها. تضرَّجت بالدماء، وبدأت الروح فيها تخبو.. وبدأت تَغيبُ أكثرَ فأكثر.. فنسيت أن تستبقي شيئاً لها لتعيشَ عليه.بدأ الهَرج والاضطراب يلتفُّ حولها والصَريخ.. بدأ النَاسُ يتنازعون ابتساماتها ويأخذون الأفراح عنها. حتى وقد قدمتها طوعاً، فالناسُ دائماً ما تشعرُ بأنَّ لهم كاملَ الأحقية حينَ نُبدي لهم الكثيرَ من العطاء بلا حُسبان ولا مقابل.

رأيتها مطروحةً أرضاً، تنظرُ للسماءِ بعينين دامعتين وتهمسُ لها: اغفري لهم كلَّ ذلكَ الحُزنِ، وتلكَ الغلظة. أفلا تكفيكِ أفراحي قُرباناً لترضي عنهم!

رأيتها وهي تَغيبُ أكثرَ فأكثر.. وتذوي كزهرَة صريعةٍ لا يُحسُّ بها قاتلها من عُلوِّه. ولا يُمكن إلَّا لرائحة الشذَى وحدها أن تُعلنَ عنها. فمثلها لا يُمكن للقسوة أن تعبرَ لشيء من حياتها، حتى ولو كانَ إعلاناً لموتها.

نظرتُ إليها بعينينِ غارقتين، وأنا اصطنعُ ابتسامةً أمامها. زحفت إليَّ مُنهكة، اقتربت تنظرُ لعينايَ طويلاً، تُركّزُ نظرها وكأنَّها تستشفُّ ما بداخل روحي.

رفعت يديها، انتزعت آخرَ ابتسامةٍ مُتبقيَّة لديها فَأَوَتْها والصقتها على شفتي. لقد تفرغت من بسماتها، وأفرغت كل شيء يحملهُ قلبها حتى انتزعتهُ. وسقطت صريعةً تحتَ قدميّ.

سرَى انتعاشٌ لروحي وأزهرت، عاودَ قلبي يَضربُ كقرعِ الطبولِ احتفالاً بالحياة.فاغتسلَ العالم عن الوحلِ والقَذارة التي علته، وعَادَ مزدهراً لامعاً كمولودٍ جديدٍ مَسَّهُ أولُ خيطٍ ذهبي من شمسٍ بدت تطلع خجلى..!!


أضف تعليق