20.10.21
مراجعة الفيلم الكوري:
BURNING
المخرج: LEE CHANG-DONG
سنة: 2018


الفيلم الكوري Burning المأخوذ عن قصة (حرق حظيرة) للكاتب الياباني الشهير هاروكي موراكامي.
الفيلم من تصنيف الإثارة النفسي، ولا أبالغ حينَ أقول أنها مشاهدتي الثالثة، إنَّ هذا النوع من الأفلام السيكولوجية هو من الأفلام المفضلة بالنسبة لي ولا أملّ من مشاهدتها لأنها في كُل مرة تغوص في عقلك ثم تفتحُ طريقاً جديداً.
الفيلم ليسَ منسوخاً تماماً من القصَّة، وإنّ كانَت تحملُ من الرمزيات والاحتمالات أكثر من الفيلم، ويبدو أنَّها كانت نقطة فارقة للمخرج بأن يغوصَ ويتشعبَ من خلالها ليصلَ لرؤيتهِ عن الحكاية.
يحكي الفيلم عن “لي جونغ سو” العامل في دوامٍ جزئي، ويُصادف “شين هاي مي” التي تعيش في نفس منطقته ويصدف في ذاتِ الحين بأنهما على معرفة ببعضهما منذُ الصغر وإن جهلَ “جونغ سو” عنها. وتعهد إليه قطتها ليرعاها أثناء رحلتها إلى إفريقيا.
وعندَ عودتها تُقدم إليه صديقها الجديد الذي التقته في أثناء سفرها “بين”.
يأخذنا الفيلم بينَ الفوارق الصارخة والتباين الطبقي والتمييز المعرفي. عن الوصولِ لأطرافِ الحدود والوقوعِ فيها!
كوجودِ منزله على الحدود الشمالية، ووصولِ صوتِ البثّ إلى داخلِ المنزل، كحديثِ “هاي مي” عن مشهدِ الغروبِ في الصحراء وتأثرها وهي تخبره: (كانَ يبدو أنني وصلتُ إلى نهاية العالم)!
وعن التباينِ بينَ “بين” و”جونغ سو” الذي بدا منذُ المشهدِ الأول وهوَ يشتعلُ غيرَة منه.

اعتقد لو أنَّ الفيلم كانَ يتحدثُ عن الفوارقِ الطبقية، ومعاناة النساء، فهو لا يُغفل أيضاً حديثهُ عن المُتعة والبحث في معنى الإنسان والحياة الذي يمثلهُ جوع “هاي مي”. وحديثها عن الجوع الأكبر والجوع الأصغر الذي يتمثل بهِ قبائل البوشمن البدائية:
“يُقال بأنَّ البوشمن لديهم نوعين من الجياع، الجوع الأصغر وهوَ من يعاني من الجوع الجسدي. والجائع العظيم هو الشخصُ الذي يُعاني من جوعٍ للسبب الذي نعيشُ من أجله، حولَ معنىً للحياة“
وتفسيرها بأنَّ الجائع الكبير هو من يبحثُ عن تفسيراتٍ وإجاباتٍ عن الحياة.
“هاي مي” كانت تفتقدُ لمعنى الأشياء لذلكَ كانت تدخلُ في كلِ الأشياءِ باندهاش لتبحثَ عن ضالتها لتغوصَ في الحياة فتنتمي إليها.
على العكسِ تماماً من “جونغ سو” الذي يُمثلُ الجائعَ الأصغر الجائعُ للطعامِ والجوع الجسدي. “جونغ سو” الذي يُمثل الوحدة بكاملها فكانت “هاي مي” هيَ المعنى والحياة -وإن كانت لمجرد اشباعٍ-.
وعلى النقيض منهما “بين” الذي وصلَ لمرحلة الاكتفاء ليبحثَ عن اللذَّة والمتعة فلم تعد الدهشة ذاتَ معنى ولا تملكُ قيمة. فبحثَ عن الأشياء التي تُأرجحهُ بينَ الحذرِ والمتعة.
تثاؤبه حينَ تصفُ “هاي مي” رقصَة الجوع بإنبهارها العارم، ثُم في المشهد الآخر لصديقته الجديدة عن وصفها للصين ينبئكَ أنّ “بين” لا يجدُ المتعة في ذلك كما وجدها حينَ علم عن أنَّ “جونغ سو” كاتباً.
وهُنا برأيي بدأ يعبثُ بعقله والسيطرة عليه منذُ اللحظة التي أخبره بها بأن يكتبَ قصته.
وعندما أخبره عن حرقِ الحظائر وبأنها سرَّه الذي لا يعلم عنه أحد. فتحدثَ عنها كواقعٍ لا بدَ حدوثهِ، وأنَّ الروائيينَ وحدهم الذينَ عليهم تقبلَ الأمور كما هي بدونِ أن يطلقوا أحكامهم. “بين” لا يسعى فقط لجعل “جونغ سو” يُصدق بحرقِ الحظائر إنمَا يسعى ليجعلهُ فكرَة لروايته واعتقد أنها من سماتِ القتلة المتسلسلين. بأن يستحوذَ على عقله ويجعلهُ يفكر بكل ما يقوله، ويتأرجح بين حالة الشك والتصديق.


حديثهُ ببرودٍ عن أن هُناكَ حظائر تنتظر لتُحرق، وكل ما يفعله أنَّه يصنع معروفاً فيما يجب عمله. كما بررها بقوله: “مثل المطر، يسقطُ المطر، تفيضُ الجداول، وتكتسحُ في طريقها الأشياء. فهل يتحكم المطر بأيَّة شيء!”
ثم أكمل عن فكرة التزامنية – وهي فكرة عرفها كارل يونغ- وهي عن “الصُدف ذاتِ المغزى” أو “الصُدف المتعددة التي تحمل في طياتها عدد كبير من المعاني ذاتِ المغزى”.
كانت الفكرة التي يملكها “بين” أو المغزى الذي يحمله مختلفاً تماماً عن ذلكَ الذي جدَّ في البحث عنه “جونغ سو”. حينما بحثَ عن الحظائرِ القريبة ونسيَ أقربَ شيء بالنسبة له. إنه التزامن الذي يبحثُ عنه “بين” بينما يعتملُ عقلُ الآخر في البحثِ والتفكير بالاحتراق الحقيقي الذي فعلهُ في صغره بمتعلقاتِ والدته، إلى أن تنتفخَ وتكبرَ في رأسهِ فتسيطر عليه فيودُّ لو أنَّه يُقدمُ على إحراقِ الحظيرَة بنفسه ليتخفف من هذا الهمّ.

كانَ واضحاً جداً بقوله بأنَّ الحظيرَة على مقربة منه، لكنَّه يعلَم تماماً بأنَّ الأشياء القريبَة لا تُرى، لكنها تُفتقد. أختفت “هاي مي” كما ظهرت في المرَة الأولى. وكما وصفت لحظة الغروب تماماً.

يسقطُ “جونغ سو” في فخّ الإدراك فتنبئهُ الساعة في الخزانة، والقطة في المرآب، ومُضيّ شهرين على اختفائها، وشقتها المرتبة بشكلٍ مفاجئ، عنمتعة “بين” الخفية. وعن “بين” الغامض الذي ظلَّ على غموضه رغمَ أنه يموت. فقد احتضنَ “جونغ سو” وكأنه أحسَّ بالسعادة لاكتشافه أخيراً!











أضف تعليق