17.06.20
فقط هي الرغبةُ المُلحَّة في أن تنسلخ من كل شيء وتعودَ كالطفلِ حديثِ الولادة؛ فلم تحمل اسماً، أو رسماً محدداً يُشابهُ أحداً، أو هويةً وتوجهاً.
بكاؤك هو صوتك الوحيد الذي يفهمه العالم الذي قدِمتَ إليه، أمَّا بقيَّة الأشياء فهي خاصَّة بك وحدك، لم تُشابه بها أحداً بَعد. وكم تودُ لو أنك احتفظتَ بهذا التفرّد لأكبرِ عُمرٍ ممكن.
ولكن، لأيِّ مهربٍ تلجأ إليه؟ سريعاً ستلتقط مبادئك، وتتسمى باسمك، وتتحدث باللغة التي يتحدثونَ بها. فلا يمكنكَ أن تصنعَ مبادئك الخاصَّة، أو أن تتسمى باسمٍ يُشبهك، أو حتى أن تختارَ شكلاً لبيتك؛ فوقَ شجرة عالية، أو داخلَ كهف مظلم، أو أن تبني صرحاً مشيداً علَّك تبلغ منهُ السماء.. وحتى أنك لن تستطيعَ أن تختارَ الأقرب لخلقكَ وتنام على التُرابِ، وتُظلك السماء، وتُلحفك نجومها، وتصبغكَ الشمسُ بصبغتها، فَتُفلح أخيراً بأن تختارَ لوناً لك…!
وما إن تبدأ رؤية الأشياء بنفسك، وترسمُ حدودك، حتى تكتشف أن بديهياتكَ طوال هذا العُمر لم يكُن يقودكم فيها إلّا أعمى قد بلغَ من العُمر عتيّا، لا يعلمُ من الطريق سوى وقع قدميه، فتسترشدونهُ ويرشدكم عليها!
وما إن تستمع لموسيقى هذا العَـالم وتطرب لها، فلا تجد صوتًا من خلفها يخبركَ كيف تلتزمُ بقواعدها، ولا كيفَ تتجهُ لعظمة الأداء فيها.. فالوحيد الذي يُحدد عِظم الأشياء من تفاهتها هو إحساس قلبكَ، وسمع اذنيك، وعقلك القادر على التمييز. فتغوصُ في تتبعِ الأسباب دون تأثير، وتبحثُ في الأصلِ دونَ تلقين.
هذه الرغبة المُلحَّة في أن تنسلخَ من كُلِّ شيء وتهربَ في هدوء، قد ولَّدت فيكَ تنازلاتٍ مخيفة، اسقطت معها رغبتك في الاحتفاظ بالأشياء، لأنَّ فكرة الرحيل أول أسباب استحالتها هي رغبتنا في الاحتفاظ بالأشياء، هي ما تسحبنا دائماً للبقاء، فكنتَ دائماً ما تُريد التخفف من كُل شيء ليغدو الهروبَ سهلاً.. تكبرُ هذه الرغبة في التخلي أكثر فأكثر حتى اصبحتَ كنخلةٍ جوفاء خاوية، تأرجحها الرياحُ لا تلوي على شيء.
والآن.. في هذه اللحظة من هروبكَ وقد تركتَ كل شيء كان يدعوكَ للبقاء خلفك، لا تحملُ إلَّا نفسك التي ملَّت وامتلت من كُل شيء.. من الشعاراتِ التي حفظتها، والقوانين التي التزمتَ بها، والكتب التي طالعتها، والمبادئ التي تلقيتها، ومن ترديد كل الذي حفظته، والقالب الذي صُنعتَ منه وقد صَنع آلافِ النسخ مسبقاً، ومن الخوفِ الذي لازمك حتى تركك لا تنام..
ونفضت من نفسكَ التساؤل الذي كان يدق في رأسكَ منذُ الأزل؛ هل الإنسانُ مولودٌ في كَبد، أم أنَّ الكَبد ملازماً له منذُ الولادة وقد يفترقانِ في لحظة اعجازيّةٌ ما…!!
واخترت بنفسكَ أن تقرأ الكتابَ الأكبر، وتصبَّ تركيزكَ على صياغة مقدمة كتابكَ دونَ محاكاةٍ أو تأثير، فبدلاً من أن تقفَ لتتأملَّ اللوحة، قررتَ أن تدخل اللوحة. لا أن تستمعَ للموسيقى إنما ترنو للوحي الذي جاء بالموسيقى.
تتوق أن تعودَ بالجوابِ الأكبر؛ هل كانَ طريقي صحيح؟
حينَ اختلفت الرؤيا دونَ تأثير النسخ المكررة من العالم..
أم أنَّ العالمَ عَودٌ أبديّ وستعودُ بنسخ قديمة من هذا العالم!







أضف تعليق