تَرِكَـة الحيَـاة.

أحَاول أن أَخلقَ لي صوتاً.. صوت من الكتابة!

سيكولوجية الجماهير – روح الجماعات

بواسطة

بوصة

اقتباسات:

 كثيرٌ من الصفات النفسية مشتركٌ بين الجماعات والأفراد، ومن الصفات النفسية ما لا يوجد في غير الجماعات.
فمهما كانوا ومهما تماثلوا أو اختلفوا في طِراز حياتهم وأعمالهم وأخلاقهم وعقولهم، هو أنهم إذا ما تحولوا إلى جماعة منحتهم هذه الجماعة ضَرْباً من الروح الجامعة، وهذه الروح تجعلهم يشعرون ويُفكرون ويسيرون على وجه يُخالف ما يشعُر به ويفكر فيه ويسير عليه كل واحد منهم وهو منفرد.

 في الروح الجمعيَّة تمَّحي أهلياتُ الأفراد العقلية وشخصيتُهم من حيث النتيجة، ويغرَق المتابين في المتجانس وتسيطر الصفات اللاشعورية.

 يُفسِّر لنا شمولُ الصفات العادية ذلكَ السببَ في أنَّ الجماعاتِ لا تستطيع أن تُنجز أعمالاً تتطلبُ ذكاءً عالياً، وليست المقررات التي تَصدُر عن مجلس مؤلف من رجال ممتازين في موضوع المصلحة العامة بأرقى من القرارات التي تصدر عن مجلس مؤلف من الأغبياء.
وذلك لأنَّ الفريقين لا يشتركان بالحقيقة في غير تلك الصفات الهزيلة التي يتَّصف بها جميع الناس، والبَلَهُ، لا الذكاء، هو ما تجمعه الجماعات.

 والبَلَهُ، لا الذكاء، هو ما تجمعه الجماعات.

 الفرد يكتسب في الجماعة بفعل العدد شعوراً بقدرةٍ لا تُقهر.

 يبلغ من السريان بالعدوى ما يسهل معه على الأفراد أن يُضحي بمصلحته الشخصية في سبيل المصلحة العامة.

الشخص إذا ما انغمر منذ حينٍ في جماعة وهي تعمل لم يُعَتِّم أن يقع في حال خاصة كثيرة القرب من حال سِحر المُنوَّم بين يدي مُنَوِّمه.

 والإنسان إذا ما غدا جزءًا من الجماعة هَبَط، إذن، عِدَّة درجات في سُلم الحضارة، والإنسان وهو منفرد قد يكون شخصاً مثقفاً، والإنسان وهو في الجماعة يكون غريزياً، ومن ثَمَّ يكون همجياً فيتَّصف بما عند الفطريين من الغريزيَّة والعنف والجَلَف كما يتصف بما عندهم من الحماسة والبطولة، وهو يشابههم أيضاً بسهولة استهوائه بالصِّيغ والصور وسَوقهِ إلى أعمال ضارَّةٍ بأوضح مصالحه، والفردُ في الجماعة كذرَّة التراب بين ذراتٍ أخرى تثيرها الريح كما تشتهي.

 والفردُ في الجماعة كذرَّة التراب بين ذراتٍ أخرى تثيرها الريح كما تشتهي

فالجماعاتُ تَسهُل قيادتها للتضحية انتصاراً لمعتقد أو مبدأ، والجماعاتُ تُثار حماستُها في سبيل المجد والشَرف، والجماعاتُ تُساق بلا خبز ولا سلاح كما حدث في الحروب الصليبية لإنقاذ قبر الربِّ. 

 الصفات الخاصَّة بالجماعات، كالاندفَاع والغضَب وفَرط المشاعر والعجز عن التعقل وعدَم الحصافة وعدم روح النقد وما إلى ذلك، مما يمكن أن يُشاهد أيضاً لدى الأفراد الذينَ لم يجاوزوا أدوارَ التطور السفلى كالمتوحش والطفل.

فالأفرادُ إذا ما تألَّفت منهم جماعةٌ تسَاوَى الجاهل والعالِم منهم في العجز عن الملاحظة. 

والحقُّ أن أشدَّ ما يُشَكُّ فيه من الحوادث هو ما يكون قد شاهده أكبر عدد من الناس، والقولُ إن الحادث الواحد قد شاهده ألوف الشهود في وقت واحد يعني أن الحادث الحقيقيَّ يختلف اختلافاً كبيراً عما اتفق عليه اولئك الشهود.

 وما في الجماعات من غُلُوّ فيتجلى مع الأسف في المشاعر الرديئة في الغالب، والمشاعر الرديئة هي بقية غرائز الإنسان الابتدائيِّ الموروثةِ التي يَحمِل على زجرها خَوفُ الإنسان المنفرد المسؤول من العقاب، وبهذا تُفَسَّر سهولة اقتراف الجماعات لأسوأ أعمال العنف. 

 غُلُوَّ الجماعات يتجلى في المشاعر، لا في العقل، والشخصُ إذا ما كانَ في الجماعة انحطَّ مستواهُ العقليُّ إلى أبعد حدّ، ولذا صعود الجماعات عالياً أو هبوطه سافلاً في دائرة المشاعر فقط.

والتحكم وعدمُ التسامح من أوضح المشاعر في الجماعات، والجماعات تحترم القوة ولا تتأثر بالصلاح إلا قليلاً لتعدِّها الصلاح وجهاً من وجه الضعف، والجماعاتُ لا تميلُ بقلبها إلى ذوي الحلم من السادة، بل إلى الطغاة الذين يهيمنون عليها بشدة، ولهؤلاء الطغاة تقيم الجماعات أعلى التماثيل على الدوام، وإذا كانت الجماعاتُ تَدوس أحد المستبدين الذين سقطوا فلأن هذا المستبد فَقَدَ سلطانه فدخل زمرة الضعفاء الذين يُزدَرَون فلا يُخشَون.

 من حُسن حظِّ تقدم الحضارة أن سلطانَ الجماعات لم يظهر إلا بعد أن تمَّت الاكتشافات العلمية والصناعية الكبيرة. 

 الجماعاتُ تحترم التقاليد احتراماً دينياً كالفطريين، فَتَمْقُت، غير شاعرةٍ، كلَّ تَجَدُّد مؤدِ إلى تغيير أحوال حياتها الحقيقية.

ففي المسرَح تطالب الجماعةُ بطَلَ الرواية بأعلى الفضائل، ويبدو الحضور ذوي حشمة كبيرة في بعض الأحيان ولو كانوا من عناصر منحطَّة، فيتذمر الشَّهوانُ المُحترف والقوَّاد والخَليعُ المُدمن، في الغالب، إذا ما رأوا منظراً منافياً للحياء أو سَمِعَا قولاً طائشاً مما يغضون عنه في محادثاتهم العادية.

 أعظم الاضطرابات التاريخية تُشتَقُّ في الغالب من تحوُّل تلك الأفكار.

والأفكار لا تستمرئها الجماعات إلا بعد أن تَلْبسَ شكلاً بسيطاً فإلى الغاية وجب أن تتغير تغيراً تاماً قي الغالب لتصبح شعبية.

 والفكرُ، مع ما يعتروه من تغيرٍ تستمرئه الجماعات به، لا يغدو مؤثراً إلا إذا نَفَذَ دائرة اللاشعور وأصبح من المشاعر. 

 وإذا كانَ استقرار الأفكار بروح الجماعات يتطلب زمناً طويلاً فإن ما تتطلبه لتخرج منها ليسَ أقلَّ طولاً من ذلك، ولذا ترى الجماعاتِ تتأخر عن العلماء والفلاسفة عدَّة أجيال في ميدان الأفكار. 

 كل ما في الحوادث من النواحي الغريبة والأسطوريَّة أشدَّ الأمور تأثيراً في الجماعات، والغريبُ والأسطوريُّ بالحقيقة هما دِعامتا الحضارة الحقيقيتان، وفي التاريخ مَثَّل الظاهري دوراً أهم من الحقيقي على الدوام، وفي التاريخ يفوق الوهمي الحقيقي.

 والجماعاتُ، إذ لم تقدر على التفكير بغير الخيالات، لا يؤثَّر فيها إلا بالخيالات، والخيالاتُ وحدَها هي التي تُرهبها أو تُغويها فتغدو عواملَ سيرٍ فيها.

الصفحات: 1 2


أضف تعليق